تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا أخطر كيد يواجه أهل الاسلام عامة، وأهل الجهاد خاصة، وهو نهاية الشر وعمل الليل والنهار، وهو أخطر من خطتهم في ما قال الله تعالى ((وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون))،وفي علم الجاسوسية، وهو فرع من فروع النفاق يعتبر هذا الفن هو نهاية الطلب وأقصى ما يعمل فيه العاملون؛ إنه إنشاء المؤسسات البديلة، والشخصيات الموازية لضرب الخصم في شرعيته، ولتقسيم الكتلة الواحدة إلى كتل متعددة، ثم تسيير الخصوم بأعمالهم ضمن خطة الخصم، حيث يعمل –المغفل النافع- عمله وجهده في تثبيت واقرار مقاصد الخصوم، وهو يظن أنه يحسن صنعاً في اضعافهم وقتالهم.

عماد هذه الخطة يقوم على اغترار الضعفاء بالرايات، وانسياق الجموع للظواهر دون الحقائق، ولحوق المغفلين لدعوات الطهر بعيداً عن تاريخ الطوائف المؤمنة الصادقة والتي لحق بها بعض غبار الطريق من جراء طول المسير وعناء الرحلة.

ههنا مسجد؛ وهو اسم له صدى القبول في النفوس المؤمنة الطاهرة، وله بناؤه وأركانه المادية وصورته الظاهرة، وهو واحد لطرحه الخصم في البداية كرديف مشارك للموجود، هذ إن كان الموجود عليه الوحدة والاتفاق، أما إن كان الراصد الخصم يعمل تململأً ما كحركة الخوارج الطهرية الجاهلية مثلاً، فهو في الابتداء يطرح نفسه بديلاً لجلب هؤلاء المغفلين تحت شعارات جميلة، فيها العافية من مشكلات التاريخ الذي يحمله الواقع الموجود.

الجماعة المؤمنة وخاصة المجاهدة لها تاريخ فوق ما معها من علم ومنهج، والعلم والمنهج شيء مطلق في الذهن، أغلبه لا شية فيه، لكن التاريخ ليس كذلك، لأنه فعل انساني، فيه النجاح وفيه الاخفاق كذلك، كما أن فيه الصواب وفيه الخطأ، فيأتي البديل الجديد بريئاً من هذا الثقل التاريخي ليطرح نفسه في عافية من ثقل الأحداث والوقائع، وتحت هذه الطهرية يلتحق الجهلة به كما تلتحق الفراشات نحو النار لتحرق وفوداً لمقاصد الآخرين.

اسم المسجد يعني الاسلام، ويعني العبادة، ويعني الخير، وإدراك القيادة الواعية لطبيعة هذا المسجد الخبيث يوقعها في مشكلات عدة أمام أتباعها قبل خصومها، وأمام الجموع الجاهلة التي ترقب وتصرخ وتضغط وتُسْتغَل كذلك بصوتها لأن أغلبها سلبي لا فاعلية له في وسط أتون المعارك والحروب، فماذا تفعل القيادة؟! إن تحركت نحوه بفعل مضاد لقيت أمامها مشاعر الرفض من أتباع لم يصل وعيهم إلى حقيقة الواقع، بل ربما فسروا ذلك على أنه وجه من وجوه المنافسة الدنيوية بين الجماعات والطوائف، وأن هذه المعركة هي معركة حول الزعامة والقيادة، وإن سكتت عنه فإنه سيتضخم ويقوى، وربما تجاوز واقعه واقع جماعات الحق لما يملك من دعم خارجي ودعاية رديفة ذات صوت صارخ.

هذا موقف خطير، وهي رحلة العذاب بالنسبة للطوائف المؤمنة في كل أطوار التاريخ، ولعلّ قراءة سريعة لتاريخ الهبات الاسلامية ضد الشر الداخلي والخارجي تكشف أن هذه المشكلة الكبرى هي عقدة العقد التي تواجهها هذه الهبات في السير نحو أهدافها.

الفقه النظري لهذه المسألة شيء، والواقع المعقد المتشابك شيء آخر، فيمكن للمرء أن يقول بسهولة: علينا أن نحرق مسجد الضرار، وأن ندمر المؤسسات البديلة وأن نقتل أئمة الكفر من الشخصيات الموازية، ويمكن له أن

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٩٣