4 - قسم تخلفوا وهم عاصون، لا نفاقاً، ولكن كسلوا حيث رغبوا بالجلوس رغبة عن التعب والمشقة، وهؤلاء جاء في الآثار أنهم ربطوا أنفسهم بسواري المسجد توبة، وآلوا على أنفسهم أن لا يفكوا أنفسهم حتى يطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاطلقهم وهم في قوله تعالى ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم ... ))
5 - قسم تأخر قبول توبتهم، وهم الثلاثة الكرام وهم في هذه الآية- ((وآخرون مرجون لأمر الله)) وسيأتي خبر قبول توبتهم.
فهذه غزوة واحدة، وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعت أقسام الناس، ففتحت أبواب الخير للطائعين، وأبواب الخير للتائبين، وأبواب الخير للباكين، وكشفت مراتب منافقين، فهذه محنة الجهاد، وهذا بعض فضله، والناس بعد هذه الغزوة سيجدون مراتبهم في كل معركة من معارك الاسلام الآتية، فيعرف الناس أنفسهم، ويعرفون الآخرين وما هم فيه، فطبقات الناس في الطاعات ليست تعرف إلا من خلال رحلة الجهاد، ومعارك المجاهدين، وبدونها تختلط المراتب، وتميع الأحكام، فيرتقي من ليس أهلاً، ويذهب شأن من هو خليق بالخير والتقدمة، وهذه معركة جاءت للناس على غير موعد، فقذف الناس فيها بغير ارادتهم حتى تكون استجابة الناس بقدر ما في قلوبهم على الحقيقة، فهي غزوة عسرة وشدة ألقت بثقلها على المجتمع المسلم فآب كل فريق إلى حقيقته.
المجاهدون وقادتهم لهم فضيلة في الخلق، وخاصة على المجتمع المسلم، فهم يقذفون بهم في أتون الجهاد، فيصرخ البعض:- ((لم نستأذن))، أو ((لم نتجهز)) ويتخذون حججاً كثيرة للهروب والبراءة من فعل المجاهدين، وينفر البعض إليهم لما يعلم الله في قلوبهم من الخير، وهكذا تتجدد مراتب الناس بحسب مراتب الناس في هذه الغزوة.
إنه ليس من خطأ المجاهدين أنهم فاجؤوا الناس بجهادهم، لأن الغافلين لو كانوا صادقين لعملوا بقوله ((ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة))
وليس من خطأ المجاهدين أنهم لم يستشيروا الناس، لأنهم لو فعلوا لضاع الجهاد حين يعلو صوت المنافقين على الصالحين، وقد كثروا لأن المجاهدين غرباء في زمن عزّ فيه المجاهدون.
إن المجاهدين كالمؤذن، فهو يرفع صوته بالأذان، فلا يعتذر معتذر أنه نائم أو أنه مشغول بصفقات أمواله، فإن هؤلاء لو صدقوا لأجابوا ونفروا، ولكن في زمان الجهل صار هؤلاء لهم حجج مقبولة عند فقهاء الجهل.
أما الذين يطلبون استئذان الأمة واجماعها للجهاد فهؤلاء علقوا الجهاد على مستحيل، فلو قالوا: لا جهاد لكانوا أصدق مع أنفسهم.
﴿والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنة والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين، أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين، لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم﴾.