التوبة، وهذا فيه ارشاد من الله للمؤمنين بمراعاة هؤلاء وعدم تركهم، بل عليهم ادامة النظر في أحوالهم حتى يستقيم أمرهم على الطاعة، ولا ينقلبون إلى المعصية.
وهذه الآية تقدمت في قوله تعالى ((يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا، لن نؤمن لكم، قد نبأنا الله من أخباركم، وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون))، وفي هذه الآية ((وقل اعملوا ... )) ذكر المؤمنون ولم تذكر في الآية السابقة، والسبب أن أمر آية ((يعتذرون ... )) كشف لباطنهم الكاذب، فهم يعتذرون ظاهراً، مع اصرارهم الباطن، وهذا علمه إلى الله تعالى يخبره لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأما المؤمنون فهم لا يعلمون الباطن، ولذلك أسندوا علم باطنهم لله تعالى لما قالوا ((قد نبأنا الله من أخباركم))،فهم يسرون نوايا الباطل، وأقوال الباطل، وأعمال الشر، والمؤمنون يرون ذلك، ولذلك ذكروا هنا.
ثمّ إن الآية الأولى ((يعتذرون ... )) كشف للباطن والسر عند المنافقين، وفي هذه الآية ((وقل اعملوا ... )) دعوة للمؤمنين بمراقبة شأن هؤلاء التائبين، فكان أن ذكر المؤمنون في الرؤية لأعمال التائبين.
والآية كما قال مجاهد وعيد، وهي كذلك ترغيب بعمل الصالحات فقوله: اعملوا، تحمل على معنى قوله:- اكثروا من العمل، أي حض عليه، وعلى معنى الحض والترغيب حملته أمنا عائشة رضي الله عنها كما روى البخاري أنها قالت: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقال ((اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)).
وقوله تعالى ((وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)) اختصاص رباني بأن سر العمل والاخلاص فيه لا لأحد إلا الله تعالى، ويوم القيامة ينبأ المرء بباطن عمله؛ صالحاً أو باطلاً.
﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾
هذه الآية يرى ابن عباس وعكرمة مولاه ومجاهد والضحاك وقتادة وابن اسحق أنهم الثلاثة الذين خلفت توبتهم وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فكان الناس أقساماً:-
1 - قسم نفروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء في قوله تعالى ((لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة)).
2 - قسم لم ينفروا عجزاً وضعفاً وهؤلاء معذورون لقوله تعالى:- ((ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون))
3 - قسم منافقون، جلسوا نفاقاً، ثم جاؤوا فاعتذروا كذباً، فأمر النبي بالأعراض عنهم وهم في قوله تعالى ((يعتذرون إليكم ... إلى قوله تعالى يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين))