كنت شاهداً على اطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله ورسوله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أؤذي أصحابك في دينهم)).
وسنأتي على قصة كعب حين تاب الله عليه فقال:- يا رسول الله"إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله"
((صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم))
فالتطهير ازالة الآثام التي علقت بهم من المعصية، والتزكية نماء أعمالهم الصالحة، وصلاة النبي تسكن قلوبهم لما يعلمون أن الله قبل منهم الطاعات، فحصل لهم كل الفضل الذي يرجوه الصالحون من أعمالهم، إذ كانت سبب في مغفرة الذنوب وازالة آثارها، ثم نماء الأعمال والإيمان، وحصول طمأنينة القلب.
﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم﴾
هذا بيان أن الصدقة إنما تقع في يد من يقبل التوبة، فإنه سبحانه يرغّبُ عبيده ويدعوهم إلى التوبة، فإنه لا يحول بين العبد وبينها شيء، فإن قبل الله توبة عبد قبل منه عمله وصدقته، فالقنوط جهل بالرب، واليأس من قبول العمل مثله، فإن وفق العبد للتوبة كان هذا إيذاناً بقبولها وحصول المغفرة، وهذا المعنى موجود في سورة القصص في توبة موسى عليه السلام، فإنه لما قتل القبطي قال: ((هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، قال رب اغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، قال ربّ بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للكافرين))،وهذا وقع له قبل النبوة، فكيف علم أن الله قد غفر له؟! فلا جواب إلا أن يكون هذا من فقه الأنبياء، وهو أنه وفق للتوبة والندم لما كان هذا قبولاً لها، يستيقن المرء بهذا، والخوف إنما يكون عند المرء إن لم يحس بالندم احساساً قوياً، أو لم يكن يشعر بعظم الذنب الذي اقترفه، فيجري ألفاظ الاستغفار اجراءً ظاهراً على اللسان دون التوبة القلبية.
﴿ويأخذ الصدقات﴾
في الحديث القدسي الشريف:- ((استطعمت فلم تطعمني؟ فيقول العبد: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: "استطعمك عبدي فلان ولو أطعمته لوجدت ذلك عندي". ذلك بأن الصدقة تقع في يد الله تعالى قبل وقوعها في يد العبد لكرامتها وفضلها، وهذا ترغيب بالانفاق والعطاء، وكفى بالصدقة أنها حجاب المتصدق بينه وبين النار لقوله صلى الله عليه وسلم ((واتقوا النار ولو بشق تمرة)).
﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾
ذكر ابن جرير عن مجاهد بن جبر أن هذه الآية وعيد، أي من الله تعالى لهؤلاء المتخلفين بأن أعمالهم ستبقى تحت النظر، فإن أحسنتم فاحسان، وإن أسأتم فعقاب، وبهذا هو يحذرهم من العودة إلى ما كانوا عليه قبل