تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك معنى آخر تتضمنه الآية وهي قبول الصدقات المستحبة من قبل هؤلاء التائبين إن بذلوها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن بذلهم لها في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ قبوله لها منهم يوقع لهم ما يحصل من الفضل المذكور، وبهذا المعنى بيان حاجة الناس للبذل، لا حاجة الله لها، فإن الله غني عن المعرضين، فحين يبذل المتصدق بماله فإنه هو المحسن لنفسه، فلا ينبغي أن يشعر بالفضل حين بذل، لكن عليه أن يفرح أن أعانه الله على الفعل ولم يحرمه منه كما حرم الآخرون، وهذا هو من معاني التقوى التي هي شرط لقبول الصدقات كما قال أحد ابني آدم لأخيه ((إنما يتقبل الله من المتقين))، فإن شعر المتصدق أنه يمن بصدقته حتى يبذلها فهو محبط لأجره كما قال تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى))، وهذا أمر شديد في الصدقة، لأن معطيها له اليد العليا على الأخذ، فأن يقع في قلبه أنه المحتاج للأخذ إذ وجد من يقبل صدقته من المتقين الذين يدعون له فهو على خير عظيم، فكيف إذا وضعها في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضعها موضعها ويصلي عليه بهذا.

﴿خذ من أموالهم صدقة﴾

هؤلاء المذنبون بالتخلف عن تبوك كانت توبتهم القلبية مقرونة بالبذل، لأن عماد النفاق هو البخل والجبن، فكان الانفاق والبذل هو من يسد شطر النفاق، أو كله إن كان سببه الكامل في شخص ما، ولذلك أول ما نفر من هؤلاء للطاعة إنما نفروا للنفقة والصدقة وبذل المال، وهذا من فقههم رضي الله عنهم، وجعل القرآن الكريم هذا البذل منهم سبباً لهذه الخيرات العظيمة التي وقعت لهم من التطهير والتزكية ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي هذا فقه أن يتوب المرء من معاصيه بقلبه ولسانه وأن يعود إلى الطاعة التي تلائم المعصية التي وقع فيها لتمحوها، ويشهد لهذا أفعال الصحابة رضي الله عنهم، فهذا عمير بن وهب الجمحي رضي الله عنه والذي كان شيطاناً من شيطاين قريش لكثرة إيذائه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة، فلما وقع ابنه في الأسر بعد بدر جلس هو وصفوان بن أمية وتذاكرا أمر قتلى قريش فقال عمير:- أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة، ابني أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان فقال:- عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعنى شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم علي شأني وشأنك، قال: سأفعل، ... وذكر قصته حتى جاء المدينة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيف في عنقه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنّا شيئاً. قال: اصدقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: بل قعدت أنت وصفوان في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت:- "لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بيني وبينك". فقال عمير:- أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خير السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، ثم قال:- يا رسول الله إني

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٨٩