المسلمة الواحدة، ثم انطوت هذه الحلقات المرتدة تحت تشريعات كفرية دولية عامة، صاغها أصحابها لخدمة دينهم ومصالحهم، فدخل الضلال على من دخل، ورضوا بهذه القسمة، فانشغل أكثر الصالحين بالمسائل الفردية، وبقضايا داخلية تمارسها الدولة الكافرة، ولم يهتد قط لمفهوم صبغة الأمة وإعادة تكوينها كما كانت على أساس الإسلام إلا المجاهدون في سبيل الله تعالى، لأن اتخاذ الجهاد سبيل حياة يعني الغاء ورفض كل مفاهيم الكفر التي صاغت الواقع المعاصر.
والجهاد المقصود هنا ليس المستند على مفاهيم العصر فيما يسمونه المقاومة المشروعة تحت مظلة المفاهيم الدولية الكفرية، وإن كان هذا جهاد في سبيل الله إن برئ صاحبه من هذه التشريعات والديانات الكفرية، لكن الجهاد المقصود هو الجهاد الذي تجاوز ذلك كله، وكان همه ضرب هذه التشريعات لإعادة صياغة الأمة تحت صبغة جديدة في داخلها ومع العالم.
سيأتي يوم يقبل فيه أولياء الشيطان بالمقاومة التي تعترف بالشرعية الدولية، وسيأتي يوم يقبل فيه أولياء الشيطان باسلام داخلي يحكم الناس في هذه الدول، لكن لن يقبل الكفر أبداً جهاداً يعيد صياغة العالم على غير تشريعاته الدولية العامة، ولن يقبل أبداً بدولة مسلمة ((مارقة)) ترفض الدخول في دينهم الكفري العام، وهذا ما سيجعل التدافع أمراً قدرياً لازماً لهذه الأمة، ولن ينتهي أبداً، ولن يخلص من هذه المحن إلا أهل البصيرة والإرادة، أولئك الذين يثقون بوعود الله أن نهاية هذه المرحلة هي نهاية الغربة الثانية التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سيجد المجاهدون يوماً أنفسهم غرباء حتى عمن يشاركهم القتال من أجل مقاصد وسيطة عن مقصد الجهاد الأعظم، وقد حصل هذا في مواطن متعددة، أما غربتهم وسط الآخرين فهذه قد ألفوها، وهي قدر هذا الدين، وقدر أهله، وقدر ورّاث سنة الحبيب المصطفى، لكنهم لن يموتوا، ولن يبيدوا، فبدل الشهيد سيكون آخر آتياً، وبدل المتولي سيأتي وارث، ذلك كله لبقاء قوله تعالى ((إني أعلم ما لا تعلمون)).
﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم﴾
هذه الآية ليست كما ظن الجهلة من الأعراب الذين ارتدوا بعد رسول الله أنها خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى ايجاب الصدقة عليهم، بل الآية أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقبول صدقاتهم التي يبذلونها طاعة منهم، وهي كذلك فيها بيان قبول هذه الصدقات على المعنى الذي يحبه المؤمنون لأعمالهم، وفرق كبير بين الأمرين، فالأعراب ظنوها أمراً لهم، وجعلوا هذا الأمر معلق بما يحصل لهم من الصلاة عليهم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن توقفت الصلاة عليهم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم توقف ما علق بها وهو الزكاة، وواقع الحال أن الآية تبين قبول الصدقة في الباطن ذلك بعد أن قبل الله منهم توبتهم، فالأخذ يكون على معنى حسن وهو حصول الطهر والزكاة والدعاء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو شأن صدقة مقبولة في الباطن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده إلا ما كان من شأن الدعاء للمزكين من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا يحتاج إلى دليل خاص آخر، فالآية لا تثبت وجوب الزكاة لكن تثبت فضيلة القبول لها من قبل المحسنين.