الطاغوتية فرض تشريع يخص المسائل الشخصية كالزواج والطلاق والإرث، وهم في سكوت مطبق على دخول هذه الدول في تشريعات دولية كفرية، هي أشد كفراً من هذه المسائل التي تخص الأحوال الشخصية، لأن هذه المسائل والعقود تحدد صبغة الأمة جميعها، وتلزم دينها في مسائل الوجود التي تحدد وجهة الدولة والأمة، فأنت ترى أن جيش الدولة يقاتل من تفرض هذه التشريعات قتاله مسلماً وغير مسلم، فتساق الأمة ومقدراتها خدمة للكفر ومناهجه، بل لا يجوز لهذه الدول أن تشرع قوانين داخلية تخالف الدّين الطاغوتي العام تدين به في هذه التشريعات الكفرية الدولية، فقول البعض: إن دولتنا تحكم بالشرعية دون أن ينظر إلى التزماتها بتشريعات الكفر الدولية يدل على جهل شديد في فهمهم لدين الله تعالى، وهذا ما أحاول بيانه في أن الأمة لها صبغة هي التي تحدد دينها، وصبغة هذه الأمة العملي هو الجهاد في سبيل الله تعالى، لأنه ينطلق من مفهوم التوحيد والولاء والبراء وعلاقة الأمة بالآخرين، وهل هذه الأمة تحمل صبغة العبودية لله في أنها ((أخرجت الناس)) لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتعذب من يغضب الله، وتوالي من يعبد الله، أو أنها كسائر أمم الأرض تسوقها مصالحها الذاتية في حربها وسلمها، وولائها وبرائها، وعدم فهم هذه القضايا هو أساس انحراف كثير من الفقهاء والعاملين لدين الله تعالى. ولذلك فإن الجهاد ليس فعلاً اجتهادياً، بل هو دين يتبع لارتباطه بأعظم قضايا العصر ونوازله وهي الحكم بغير ما أنزل الله تعالى.
والذين يلغون الجهاد لابدّ أن يمروا على مسائل التوحيد فيفسدونها، ثم يمرون على أصول الفقه فيتلعبون بها، ثم على الآيات القرآنية والسنة النبوية فيؤولونها ويحرفونها، وكل واحدة من هذه المراتب هي بدعة كبرى وضلالة تصارع بدع وضلالات الأقدمين، والأمثلة على هذه الرحلة البدعية كثيرة جداً يمكن لك أن تجدها في هذه الكتب التي أتت بالمحدثات في مسائل الجهاد، وستجدها في كلام مدعي الفقه الذين يحاربون الجهاد والمجاهدين.
ولخطورة هذه القضية فإن القرآن ربطها بالنفاق، وهو نهاية نفق البدعة، فأن يكون المرء مبتدعا- حتى على قوانين الأقدمين- خير من أن يكون منافقاً، فإن كانت الآيات دلت على أن تاركي الجهاد منافقون فماذا نقول عن الذين يجعلون ترك الجهاد شريعة وديناً يوجبون على الناس الدخول فيه تحت اسم الدين والفقه واتباع السنة؟
إنك لا تجد مدعياً للفقه والكفر يناوئ المجاهدين في أصل ما يقدمون به في هذا العصر إلا وهو ضال في فهمه لتوحيد الله تعالى في قضايا التأليه، وضال في مفهوم الأمة ودورها القرآني الذي عاشه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومتلعب بآيات الله تعالى وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يجريها على غير ما أجمعت الأمة المسلمة طوال القرون السابقة، فصار الجهاد اليوم هو الفارق بين السني والبدعي في مسائل العلم، أما أنه الفارق بين المنافق والمؤمن فهذه قضية قرآنية عملية هي الأخطر لو فقه هؤلاء على كتاب الله تعالى، ولانصرفوا إلى علاج أنفسهم من هذا المرض بدل أن يدافعوا عنها دفاع أئمتهم المنافقين الأوائل.
الجهاد في سبيل الله تعالى مفهوم قرآني، وسبيل إيماني وصبغة إلهية لهذه الأمة، ولن يخوض أحد فيه على غير الوجه الذي عاشه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، وعاشته الأمة تاريخاً طويلاً إلا كشفه الله ضالاً مبتدعاً منافقاً، وما اقترب أحد من عبادة الجهاد في سبيل الله تعالى على الوجه السني، وهو أمر مجمع عليه إلا بعد أن انهار مفهوم الأمة المسلمة، وتشكلت الدولة القطرية الكافرة على أنقاض مفهوم الأمة