بهجرانهم- وهو أمر شرعي- منوط بما كان عليه المسلمون في القرون الأولى حيث الغلبة لأهل السنة، ودعاة البدعة قلة مقموعة، فالهجران يحقق المقاصد الشرعية، أما بعد ذلك فإن كبار أهل العلم من أهل التوحيد والسنة والجماعة كانوا على صلة مع هؤلاء، يأخذون ما عندهم من العلم حتى إن المذهب الحق هو قبول رواية المبتدع الصادق، والصحيحان فيهما من رواية المبتدعة الشيء البين، وكانوا يأخذون منهم الفقه إن كانوا فقهاء، بل إن صلاتهم الإجتماعية كالاحترام والتقدير كانت على وجه بين واضح، فمن تأمل معاملة الإمام الدارقطني للإمام الباقلاني ومقدار احترامه له علم صحة ما أقول، ولذلك لا هجران اليوم إلا للزنادقة وأعداء الإسلام، والمفسدين في الأرض، أمام من وقف أمام الزندقة والكفر فيؤيد بمقدار ما يفعل وينبه على خطئه بمقدار ما يخطئ، هذا مع وجوب معرفة مراتب البدعة، فهناك جهل شديد في هذا الباب، إذ تجد الشاب الغر يحتد ويغضب على مسائل يسيرة قد لا تدخل في مسائل البدع، بل هي من مسائل الإجتهاد، ويسكت على كبائر البدع والضلالات، ومن الفقه أن يعلم المرء بدع العصر التي تزاحم الإسلام، فمن الجهل أن يحارب المرء بدعاً قديماً لم يبق منها إلا آثارها اليسيرة ويسكت على بدع العصر الكفرة، وكذلك يجب الانتباه لواقع الحال، فهناك بلاد يدور الصراع فيها صريحاً بين الإسلام والكفر، فيقرأ شاب كتاباً لعالم يخاصم عالماً في بلد آخر على مسألة من المسائل، فيحمل هذا العز هذه المسألة ليجعلها حرباً في بلده، وهذا منتشر مشهود.
ولمعرفة مراتب البدع يجب معرفة معنى السنة، لأن هناك جهلاً شديداً في معرفة معنى السنة التي تقابل البدعة والتي على قاعدتها يسمى الرجل سنياً أو بدعياً، فالسنة اليوم عند الكثيرين هي أن يقول الرجل ما كان يقوله السلف دون النظر إلى معركة الإسلام المعاصرة، فالمعركة اليوم هي معركة الحكم بما أنزل الله في الحكم والتشريع وقضايا الوقت كقضية الجهاد ضد الطواغيت وفي فلسطين، وضد المحتلين، فالبدعي الضال في زماننا هو من انحاز إلى صف الانحراف في هذه المسألة حتى لو كان دينه العقدي هو ما كان عليه الأئمة الهداة الأوائل في زمانهم من مسائل الأسماء والصفات وغيرها، بل إن هذه المسائل كانت قديماً تدور في داخل الصف المسلم، وأما هذه المسائل الجديدة فهي تنازع أهل الإسلام، فالقائل بجواز الحكم بغير ما أنزل الله في الحكم والقضاء ونوازل العصر كافر مرتد، ويقترب المبتدع من هذا الحكم بمقدار تشربه لهذا الضلال، فلا يجوز لنا القبول بداعٍ أو عالم يزعم أنه سني وهو حرب على المجاهدين وعلمائهم وقادتهم، ويمالئ الطواغيت ويدافع عنهم ويدعو لحبهم ومناصرتهم، فهذا ليس من أهل السنة ولا كرامة، بل ربما لا يكون مسلماً في الباطن، لأن بعضهم يجيز التشريع لغير الله تعالى، ويدعو إلى احترام ما يقرره الشعب من قوانين.
وأما قضية الجهاد ضد الطواغيت والمحتلين الكفار فقد يظن البعض أنها مسألة فقهية لا ينبغي ادراجها في مفهوم السنة، والتي هي عندهم على معنى الإعتقاد، وظنهم هذا خطأ، فإن أهل السنة قديماً أدرجوا مسائل فقهية في متون العقائد لما صارت في زمانهم فارقاً بين السني والبدعي، ثمّ إن مسألة الجهاد تعود إلى فهم التوحيد، فالذين يجيزون الحكم بغير ما أنزل الله لا يجيزون الجهاد ضد هؤلاء، وبعضهم لجهله يظن أن الحكم بما أنزل الله يجب في مسائل الاحكام الداخلية الدولية دون النظر إلى عهودها وعقودها ودينها الذي تدين به مع الآخرين، فهو لا يعلم أن خضوع الدولة لتشريعات الكفر الدولية وأقرارها لها هو أعظم كفراً من أن تشرع تشريعاً يخص أفرادها في مسألة من مسائل الطلاق والزواج، ولذلك تجد هؤلاء المساكين يصرخون إن أرادت الدولة