ووالله لولا أن الأمر أمر دين، أوجب الله على أهله أن يقولوا كلمة الحق ما قلت فيهم كلمة، ولولا أنهم صاروا خصوماً لأولياء الله في الأرض، ولأطهر من يدب على الأرض في زماننا لما تكلمت بكلمة، لكن مثل هذا الشر إن سكت عليه من علمه كان كالمشارك فيه. فاللهم غفرانك.
﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾
من الواجبات على العاصي إن أراد التوبة أن يعترف بمعصيته، فإن كانت المعصية خفيفة اعترف بها بينه وبين الله، وإن كانت علنية اعترف بخطئها علناً، وخاصة ما كان من الذنوب العلمية والتي يسميها البعض بالعقائد، فمن كتب كتاباً ضالاً سطر فيه الجهالات ثم أراد التوبة منها وجب عليه أن يعلن هذا، وأن يمحو هذه السيئة بحسنة من نوعها لقوله تعالى ((إن الحسنات يذهبن السيئات))، وإن لم يفعل فلا تصح توبته، فهؤلاء الذين كانوا كفاراً قبل، يدينون بأديان الشرك والكفر كالشيوعية والعلمانية ثم يميل بهم الفكر إلى تسمية أنفسهم بالمفكرين المسلمين، فإن قيل لهم: أين أنتم الآن مما كنتم قبلاً؟ لم يظهروا توبتهم مما كانوا عليه، ولم يصرحوا بكفر أديانهم السابقة، بل تجد الكثير منهم يحاول جاهداً أن يظهر في حديثه أن الفارق بين الدينين ليس كبيراً، وبعضهم من يزعم أن فكره السابق ما زال موجوداً لكن طوره أو مزجه بحقائق جديدة عرفها، وبعض من يزعم الإسلام لا يستنكف أن يمسمّي نفسه ((علماني اسلامي))، أو ((قومي اسلامي))، وهذا كله من الكفر الصريح، فإن الإسلام ليس فكراً ناقصاً ولا مجزءاً، بل هو دين، لا يدخل المرء في اسمه إلا أن أقر به كله، وخضع لكل أحكامه، فإن أخذ شيئاً وترك شيئاُ لا يكون مسلماً، بل لو ترك أمراً واحداً لم يقر به فإنه يكفر إن كان مسلماً، ولذلك فالحذر من هذا الصنف الذي يقدم نفسه تحت مسمى ((الفكر الإسلامي))، ولكن مما ينبغي التنبيه عليه أن هؤلاء لهم جهود نافعة في بعض أبواب العلم والدراسات، لكنها ليست في مسائل الشرع والدين، وهم في هذا كغيرهم من الباحثين في باب من أبواب الحياة، يؤخذ منهم على قاعدة- الحكمة ضالة المؤمن-، وبعضهم له حماسة في الدفاع عن قضايا الأمة ضد أعدائها، وكل هذا لا شر فيه، لكن أمثال هؤلاء لا يحترمون أنفسهم حين يتكلمون في الدين والقرآن والسنة وأحكام الشرع وقضايا الإسلام الفقهية، إذ يجعلون لأنفسهم الحق أن يجتهدوا لتكون أقوالهم بعد ذلك داخلة تحت مسمى الإجتهاد الإسلامي، وهذا جهل وانحراف، إذ أن بعضهم ليس مسلماً حتى لو سمّى نفسه وسماه الآخرون مفكراً مسلماً، بل هو كما قال الله تعالى ((وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به))، ومن كان منهم مسلماً فإن حاله حال ((أهل الكلام)) قديماً، إذ فيهم إيمان وبدعة، وقوة هؤلاء كما كانت قوة المتكلمين قديماً أي في حربهم ضد ((الزنادقة))، وأما داخل الصف المسلم فبدعتهم شر على المسلمين، وقد يعجب البعض من قوة هؤلاء وحرارة دفاعهم عن الإسلام أمام الكفر والجاهلية، لكنه مبتدع في مسائل علمية كثيرة، لكن من قرأ تاريخ الإسلام علم أن أقوى الناس في رد هجمات الزنادقة والباطنية والرافضة كان المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم، بل إن كتاب دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار المعتزلي هو من أقوى الكتب العقلية في الرد على الزنادقة المشككين في نبوة الحبيب المصطفى، فمثل هؤلاء يمدح لهم جهادهم ضد أعداء الدين، ويحذر من انحرافاتهم وبدعهم في داخل الصف المسلم، وأما العلاقة معهم فإن واجب الوقت هو رعايتهم والمقاربة معهم وطرح كلام الأوائل بوجوب هجرانهم، لأن الأمر