تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يصرون على الإيغال بعيداً في الضلال، وحين تكون التوبة إنما تكون في الأطراف البعيدة عن القيادة لقلة ضلالها، وعدم تجذر البدع في قلوبهم.

أما ما نراه من انقلاب بعضهم إلى صفوف البدعة تحت مسميات كاذبة كالتراجعات والارشادات فهذه يجب فهمها في اطار السنن كذلك، إذ الكثير منهم تصدر علمياً دون استحقاق، وكان ارتفاعه بسبب ((الفعل)) لا ((العلم))، ولكن هو لم يعرف لنفسه حقها، فظن أنه بسبب قيادته لاخوانه صار عالماً يحق له القول والاجتهاد، فلما جاءت الفتن ضعفت ((الفعل)) وسكن بسبب ظروف خاصة لهم، وكان لابدّ حينها من ((علم)) خاص يقيهم شرور واردات الشيطان لحظة الإبتلاء، وخاصة أنه ابتلاء طويل تجتاحه واردات نفسية كثيرة كما هو معلوم مشاهد، فلم يقنع هؤلاء بحقيقة مستوياتهم العلمية، وهي في أساسها تقوم لحظة الصدام أي ((الفعل)) على مخالفة الفقه المنحرف السائد في أوساط المفتين والفقهاء والقضاة الذين سلكوا في سلك الطاغوت، وركنوا إلى المهادنة، أو إلى اسباغ الشرعية على الواقع، فضعف ((العلم)) والذي هو ضعيف في الأساس أمام هذه الواردات، فانقلبوا إلى قطيع الجموع السائدة التي كانوا يخالفونها ابتداءً، فلم يزد الأمر سوى أن أخذوا ما قاله خصوم الأمس وتدثروا به، بل زاد الشر فيهم بأن سقط الحياء، فخلعوا البراقع، وجعلوا يتسابقون إلى أهداف أبعد مما وصل إليه القوم من قبلهم.

فظاهرة هؤلاء ظاهرة ((فعل)) كان رداً ((لفعل))، ولم يكن مبنيأ على علم خاص راسخ وما حصل لهم ليس كذلك من العلم في شيء، فمن الخطأ الكبير تسمية ما قالوه علماً، لا قبل التراجع ولا بعده، بل هو ظاهرة ((فعل)) فقط، يمكن أن يكون أغلبه قائماً على الثأر فقط، والزمن الطويل أسكن هذا الثأر فانقلب رماداً، وهم يسمون هذا الرماد- حكمة السنين-، و- عمق التجرة- وكل هذا لا صلة له لا بالعلم، ولا يالحكمة، بل هو في حقيقة صورة من صور برودة الحرارة بفعل الزمن، والإيمان والعلم ليسا كذلك، لأنهما حقائق في القلوب، يؤديان مع صاحبهما في كل وقت كما قال ابن تيمية: "أنا جنتي في صدري"، وهذا مأخوذ من قول آخر رجل يقتله الدجال وذلك بعد أن يحييه: "والله ما ازددت فيك إلا بصيرة"، فالحقائق ليست عرضة للتغيير، فالدجال هو الدجال، طال زمانه أو قصر، سواء حاربته فقتلته أو قتلك، لكن هؤلاء القوم ابتداءً لم يربطوا الصراع على أساس التوحيد والكفر، فما أسهل الحروب التي تنتهي بلا شيء إن كانت على غير هذا الأساس، إذ لا يكون الخاسر فيها إلا الموتى الذين قضوا نحبهم من أجل ورّاث رضوا بالبقاء لقاء ثمن الطعن في طهارة الذين ماتوا.

وهذا كما يكون في الجماعات يكون في الأفراد، فإن أقواماً يسوقهم ((الفعل))، كالجهاد والحسبة، محبة فيه، ثم تذهب بيئته، ويبرد عليه ((الفعل)) ثم لا يجد ((علماً)) يحميه من الإنزلاق والضلال إلى البدعة والارتداد على العقبين، لكن ((الحيل النفسية)) لا تنتهي، فمن أجل ستر ضعفه وانزلاقه يتستر بستار ((الإجتهاد)) أو ((الإهتداء)) وهو الضلال في القلوب، واتباع الهوى، وأكبر دليل على هذا الأمر أن هؤلاء لا يزيدون في ما يقولونه بعد الإنزلاق والانحراف والإرتداد على العقبين إلا ما كان يقوله الخصوم قبلاً، مع أنهم سمعوا هذا الكلام كثيراً لحظة حرارة ((الفعل))، فلم يكن يثير فيهم إلا الضحك والإستهزاء، وأعجب ما في أمر هؤلاء أنه مع قربهم في زمن ((الفعل)) للحق، أقول ((قربهم)) لأن بعضهم لم يكن له فضل الدخول كلياً فيه، لما عادوا القهقرى لم يجيبوا أبداً على أدلة أهل الحق، بل راحوا يضربون كما يضرب أسيادهم الجدد –وهم خصومهم

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٨٣