﴿اعترفوا بذنوبهم﴾
التوبة لا تصح إلا أن يقر المرء بذنبه أمام ربه، فيعترف أنه عصى وخالف وضعف، ثم يندم عليه، ثم يستغفر وهذا مأخوذ من حديث أمنا الصديقة حبيبة رسول رب العالمين عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما وعن أمها وجدها في قصة الإفك، وفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها:- ((أما بعد يا عائشة!، فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه))، ولهذا كانت خطورة المعاصي العقدية والفكرية، لأن أصحابها لا يستشعرون الخطأ، ولا يظنون أنهم على شر، وخاصة حين يزين الشيطان لهم ضلالهم وفسادهم، فيرون حسناً، وهذا الذي يقول الله فيه: ((فمن يهدي من أضلّ الله))، وعماد ذنوب هؤلاء هو غرورهم بأنفسهم، وترفعهم عن متابعة القرآن والسنة كما كان عليه أمر الصحابة رضي الله عنهم، فيبيحون لأنفسهم- ظناً جاهلاً غروراً- أنهم أصحاب عقل قادر على الهداية والوصول للحقائق، وهذا شعور واحساس واهم، فإن المرء إن لم يكن له ميزان سليم لا يتغير يقيس به عقله وظنونه وواردات نفسه تقلب كل يوم في قول جازماً أنه الحق، وأن غيره الباطل، ولذلك فلا عجب أن تجد صاحب العقل الرياضي الكبير، والذي لا يقبل حلاً لمعادلة رياضية إلا ما كان مبنياً على قواعد صارمة من القانون السنني للرياضيات ثم هو مع ذلك يعبد العجل أو الصرصور، لأن الوهم في الإنسان شيء أصيل في غير قضايا المادة، كالمسائل الغيبية، والشرائع الخلقية، ولذلك كان من رحمة الله تعالى ارسال الرسل وانزال الكتب، فالذين يرفضون المنهج الرباني في إدراك الحقائق بترفعهم عن التسليم لما جاء به الرسول هم أبعد الناس عن التوبة، وأهل البدع هم أشبه الناس بهؤلاء الضالين، ولذلك كيف يتوب من يظن أن الإسلام يدعو للخنوع والإندماج في الكفر؟ وكيف يتوب من جعل الجبن ديناً يتبع؟ فمثل هؤلاء يقال فيهم قوله تعالى ((وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)).
اننا نرى عصاة ينقلبون من شرب الخمر إلى مجاهدين وشهداء، ونرى عصاة في الزنا ولعب الميسر تاب الله عليهم فصاروا قادة خير وجهاد، دفعتهم الحمية للدين والعرض، فضربت فيهم مواطن الخير التي يحبها الله تعالى في العباد، من الغيرة والشجاعة والكرم، وكان هذا التحول صدمة للكافرين، فأبطل عليهم دراساتهم لما يسمونه ظاهرة المجاهدين والمتدينين، وأفسد عليهم رصد رجال الله كيف يصنعون وكيف يتحولون، وما دروا ما معنى ظاهرة الإيمان، ولو تفكروا في إيمان السحرة زمن فرعون لأدركوا خصوصية هذه الظاهرة التي تستعصي على قوانينهم الفاجرة، وأسلحتهم وجنودهم، فهذه الأمة التي ظن الكافرون أنها قد ماتت، وبعضهم طلب اعلان هذا الموت كما قال نزار قباني ((متى يعلنون وفاة العرب)) وقد جاء اليوم من أعلنها من المشايخ فيخرج منها من يرغم أنف الطغاة، ويدس كبرياءهم بضعفه وفقره، ومن قفار الفقر المنسية يخرج الله عباداً يوحدونه ويجاهدون في سبيله، ومن مواطن الفساد، ومن تحت جهود الكفر التي صبت على البلاد يخرج الموحدون بفضل الله تعالى، وكل خروج فيه صدمة للكفر وجهوده.
لكن قلما نجد من المبتدعة من يتوب، وخاصة قادتهم، وكلما تقادمت بهم الأيام والسنون كلما ازدادوا ايغالاً في الضلال والبدعة، مع أن كل يوم يأتي يكون فيه اثبات عقم طريقهم وفساده، وقلة خيره ومنفعته، ومع ذلك