فالمرء لابد من وقوعه في الذنب لا محالة، فهذا قدر الله في الإنسان، ثم يتمايز الخلق بعد ذلك بالتوبة والإنابة، ولذلك من أسمائه سبحانه ((العفو)) فلو لم يكن هناك عبد يذنب لما كان لهذا الاسم من موجب، وحينها سيذهب الله بالخلق ليخلق أقواماً يعمل معهم الرب سبحانه وتعالى باسمه الحسن الغفور (وكل أسمائه حسنى).
ولذلك تأمل في هذا الحديث العظيم، وتفكر فيه لتعلم أيّ إله رحيم هذا الذي خلقك ودعاك لطاعته.
- سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فما أشقى من أعرض عنه وظن فيه الظنون الباطلة.
- وعنه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل: أذنب عبد ذنباً، قال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً، علم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك.
فوالله لولا أن هذا الحديث صحيح كالشمس لوجد المرء في نفسه من الجهل ما يقول فيه، ذلك لأن رحمة الله تعالى أعظم من ادراكنا مهما حاولنا فهمها والتفكر فيها، وكفى بأن نعلم هذا الحديث الآتي عن الرحمة لندرك بعض معانيها:-
- عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها يعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة)) أي جعلها جميعاً يوم القيامة.
- وعن صفوان بن محرز قال، قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ قال: سمعته يقول: ((يُدْني المؤمنُ يوم القيامة من ربه عز وجل، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله.
- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألسقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا، والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولداها.
﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾
هذه الكلمات الربانية تجعل القلب مائلاً إلى أن هذا النوع هم عصاة وليسوا منافقين كما قال بعض أهل العلم، وأما ابن جرير، فقد فسر العمل الصالح هنا بالتوبة والاعتراف بالذنب، وهو وجه غير بعيد، والله أعلم، وإمام المفسرين جعل الواو في قوله ((وآخر)) بمنزلة ((الباء)) أي أنهم خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيئاً، أي أذهبه، فالصالح هو التوبة وهي تذهب السيئات.