بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ماله أخزاه الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)) لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم)).
المؤمنون على وعي تام أن الوجود كله قائم على الصراع من أجل مصير الإنسان، فالله يدعو عبيده إلى دار السلام، والشيطان يدعوهم إلى النار، والله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الكفر، وإن يشكروه يرضه لهم، ولذلك فتح لعبيده باب التوبة، ورغبهم في الطاعات بما يحصل لهم في القلوب من حلاوة وذوق إيماني عظيم، وأعطاهم عليها راحة القلب والنفس والسعادة في الدنيا، وأجزل لهم الأجور العظيمة يوم القيامة، ذلك لأن الله يحب الخير لهم كما قال تعالى ((ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم))، وهو سبحانه وتعالى يحب من حبب الطاعة لعبيده، وعرّفهم برحمة الله تعالى، وهو يبغض من أغلق باب التوبة كما في حديث المتألي على الله وقول الله له:- ((قد غفرت له وأحبطت عملك)) ذلك لأنه قال: ((والله لا يغفر الله لفلان)).
والذين يصمدون أمام كيد الشيطان حين وقوعهم في المعاصي ثم تقسو عليهم الجماعة المؤمنة هم قلة، كما وقع للصحابي الجليل كعب بن مالك- أحد الذين خلفت توبتهم بسبب عدم النفير إلى تبوك- فإن شياطين الإنس عرضوا عليه أن يلحق بهم كما في الحديث:- بينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام (أي الفلاح سمي بذلك لأنه ينبط الماء أي يخرجه كما يقولون: استنبط فلاناً حكم المسألة من الحديث) ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ويقول:- من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك غسان (وهم نصارى على اطراف الجزيرة ومن العرب كان لهم صلة بالروم)، وكنت كاتباً فقرأته، فإذ فيه: أما بعد، فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء فييمت بها التنور فسجرتها (أي وضعها في الفرن فحرقها)، فأمثال هذه القلوب قليل، ولذلك لا ينبغي أن يقسى على الناس، ولا يشدد عليهم، بل الرفق أوسع لعموم الخلق، فإن خلط بعض الناس صواباً بخطأ، وحقاً بباطل، وعملاً صالح بفاسد ثم رؤي منهم اقبالاً على الحق، ومسارعة إلى التوبة، وإرادة في تخطي ما هم فيه فيجب الترحيب بهم، وينادى عليهم بقوله تعالى ((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعد ظلمه وأصلح فأنه غفور رحيم))، ويتلقوا بالرحمة وبقوله تعالى ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إن الله هو الغفور الرحيم))، فإن الله يحب هذا ويرغب فيه، وهذا مما يغيظ الشيطان وجنده، وليسمح لي القارئ المؤمن أن أذكره بأحاديث عظيمة في التوبة، ليجعلها عدته هو قبل كل أحد، وليعظ بها نفسه واخوانه، لأن اليأس من رحمة الله كفر كما قال الله على لسان يعقوب عليه السلام: ((إنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون))، فمهما عملت أو عمل غيرك فإياك أن تنسى هذه الأحاديث العظيمة:-
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)).