تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحي من الله تعالى، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم أعيان بعض المنافقين إلا أنه معصوم أن يمدح هؤلاء، فإن مدح امرءاً دل أن هذا المدح حق فيه لنبوته صلوات ربي وسلامه عليه.

- ... وصف الله هذا النوع من المنافقين أنهم- من أهل المدينة- ووصفهم بقوله- مردوا- وهذا لا يكون أبداً لمهاجري قط، وهذا معلوم إذ النفاق لا يكون مع السابقين في الخير، إنما يكون بعد ذلك.

- ثمّ يقال لهذا الضال:- إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلمهم لمرانهم وخفائهم، فكيف عرفتهم أنت؟

- وإن كان عندك أن عامة المهاجرين إلا الواحد والاثنين منافقون فهل هؤلاء هم فقط من قال الله فيهم ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان))؟!

وللرد عن عرض الأصحاب يحتاج إلى كلام طويل ولكن أردت التنبيه على وضعهم هذه الآية في غير موضعها فقط، وهذا شأن المتلعب بالقرآن يأخذ بعض الآية لا كلها، ويأخذ بعض الآيات ويعرض عن أخرى، ولو اهتدى لعلم أن فهمه الضال يرد عليه تمام الآية، أو ترد عليه آيات أخرى.

﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم، خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم، ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾

هذه فئة قد تخلفت عن تبوك، يمكن أن يكون فيهم لما تخلفوا نوع نفاق يسير غلب عليهم، ويمكن أن يكونوا مجرد عصاة غلبت عليهم نفوسهم فطاوعوها بعدم النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلا القولين قال به بعض أهل العلم، لكن ادركتهم رحمة الله فاعترفوا بذنوبهم فتاب الله عليهم كما قال سبحانه ((عسى الله أن يتوب عليهم)) وعسى في القرآن واجبة كما تقدم.

هذه مساحة انسانية لا يخلوا عصر منها، ومهما ارتقت الجماعة المؤمنة في قوتها المادية، ومهما كان فيها صعود في الطاعة والعلم والتقوى فإن هناك قوم تقصر بهم هممهم عن هذه المعالي، وهؤلاء يجب فتح باب التوبة لهم، ودفعهم بالترغيب للالتحاق في الصف، بل ربما يقع المؤمن الصادق في لحظة ضعف، أو في امتحان ما لسبب من الأسباب الإنسانية، فمثل هذا لا يطرد، ولا ينبذ، بل يراعى للعودة دون تثريب.

وقوع المرء في لحظة اخفاقه سببه الخلط بين عمل صالح وعمل فاسد، فالمعاصي لابدّ أن تدرك المرء كما تدرك الكبوة الفرس كما قال تعالى ((ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا))، فالمعصية وهن في البدن، ووهن في الإرادة، ووهن في العقل، وهي مدخل الشيطان لتوسعها واستعلالها، كما أنها سبيل أولياء الشيطان من الانس حين يتخذونها وجهاً للاستغلال وتكريس العاصي ضد المسلمين والمجاهدين، فوعي الجماعة المؤمنة على هذا الباب يمنع استغلال الشيطان وجنده كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي النبي بسكران فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٧٩