الله واضحة جلية، وقد كشفت أدق أعمالهم وأقوالهم وارتباطهم، وتغلغلت اشارات كلماتهم ومواقفهم، ولكن هذا النوع من المنافقين ((مردوا))، ولذلك فأنت يا محمد ((لا تعلمهم)).
وهذه تقال لأبصر الناس وأحكم الناس، وأذكى الناس، أي الحبيب المصطفى، وقد كشف الله لرسوله دلائلهم فقال ((أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم)).
ومع ذلك فهؤلاء الذين في المدينة ((لا تعلمهمن نحن نعلمهم))، فهل هناك عتو وخداع أكثر من هذا؟!
إن هناك نوعاً من المرضى والمنافقين هم أقوى من كل الإمتحانات التي يملكها الناس في معرفة الكاذب من الصادق، ومعرفة الموالي من العدو، فهم ينجحون في هذه الاختبارات حتى تنطلي حيلهم على البصير الخبير، وهذا من اعذار الله للمؤمنين أن لا يتهموا أنفسهم بالجهل والغباء إن صار بينهم أمثال هؤلاء، فيسيرون معهم السنين والشهور والأيام ثم يتبين لهم بعد انتهاء المرحلة خبثهم ونفاقهم وتدسسهم، بل ربما لا ينكشفون قط، وتبقى الأسئلة قائمة، ذلك بأن اختراق المنافقين ليس ظاهرة خاصة بقوم من الأقوام، بل هي ظاهرة بشرية يمكن أن تكون في أقوى الصفوف والمجتمعات، وكفى بذلك شهادة أن يكونوا في زمن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولذلك فاكتشاف منافق أو منافقين في صف من الصفوف لا يجوز أن يتخذ مدخلاً للإسقاط، فهذه يقال فيها ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما لما قيل له: يزعم اليهود أنهم لا يوسوسون في صلاتهم! فقال: "وأي خير في قلوبهم حتى يوسوس فيها الشيطان"، فوجود العمل والأعداء يعني وجود المحاولات للإختراق، ويكون العيب حينها في أمور:-
- أن تلغى دلائل النفاق القرآنية الواضحة في أشخاص تحت دعوى احسان الظن في الآخرين، فحينها تكون الملامة والعيب، لأن هذا جهل لا يحتمل في الجهاد وإدارة الصراع، وأغلب ما وقع في الصف المسلم كان من هذا الصنف.
- ... أن يلغي السبق في التقديم والإمارة إلى ملتحقين بآخرة لجمال ألوان لم تختبر، كالخطابة والعلم والمال وسطوة العشيرة وأشباه ذلك، ذلك لأن السبق لا يكون إلا باختيار أهله عن غيرهم، وكذلك فإن الإختراق في داخل الصف كان على هذا المعنى ومن هذا الطريق.
- خطورة النفاق ليس في نقل الأخبار، فهذا فن يتقنه الصغار، لكن أعظم النفاق هو صناعة الأفكار، لأنها إن تمت تحول أداء المرء وأفعاله إلى خدمة لخصومه دون أن يشعر، وهذه أخطر أنواع الجاسوسية، فهؤلاء المنافقون يرسون قواعد العمل في داخل الصف ليتحول الصف إلى عدو نفسه، يؤذيها وهو يظن احسان الفعل، واكتشاف هؤلاء يكون بأمور مركبة غير يسيرة ليتحول الصف إلى عدو نفسه، يؤذيها وهو يظن احسان الفعل، واكتشاف هؤلاء يكون بأمور مركبة غير يسيرة كما قال ابن القيم في مسألة الأمراض المركبة بأنها تنشأ بسبب الأطعمة المركبة وهي تحتاج إلى أدوية مركبة غير سهلة، ولذلك قال بأن أمراض العصر- أي عصره- قد لا تنفعها الأدوية التي كانت تنفع الناس قديماً لأن اطعمتهم سهلة غير مركبة.
هذا النوع من النفاق يحتاج إلى أطباء حاذقين، لهم فقه في كتاب الله وفي التاريخ وفي النفس البشرية وفي أغلب شؤون الحياة وفنونها، وما يهم بيانه هنا هو النفاق الفكري في هذا الباب، وهم أولئك الذي يلجون داخل الصف