الخامسة:- رضيت رب، فيقول:- هذا لك وعشرة امثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت ربّ.
فتحقق رضى الرب على العبد يجعل لرضى العبد معنى أبلغ مما يظن العبد، إذ يرفعه منازل كان رضاه أقصر من أن يطلبها ليكون، لكنّه فضل الله على عبيده المؤمنين.
﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم، نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثمّ يردون إلى عذاب عظيم﴾
المؤمنون صنف يتشكل من المهاجرين والأنصار ثم أتباعهم، وعلى الهامش أعراب منافقون، وفي الداخلون منافقون قست قلوبهم، فإن كان الأعراب لبعدهم كان فيهم النفاق، وكان نفاقهم وكفرهم أشد من غيرهم، فإن نفاق المدينة صار فيه صلابة وقسوة لطول عهده بالقلوب، ولاستمراء أهله له، فلم تعد آيات الله تلين هذه القلوب، ولا تردعها عن نفاقها، فلذلك صاروا في النفاق مردة، وهذا يبين أن الشر في القلوب يغلي ويشتد لعاملين؛ أولاهما: البعد عن مصادر الهدى والطاعة ومواطن الخير، وهذا شأن نفاق الأعراب البوادي وثانيهما: طول الألفة له في القلوب، وهذا نفاق أهل المدن والقرى والحواضر، وإذا كان نفاق الأعراب شديداً وقوياً لارتباطه بغلظة القلوب وقسوتها، فإن نفاق أهل المدن في الخبث الذي يحمل قوة التشكل والتكيف في داخل الصف المؤمن، ولذلك وصف بهذا الوصف- مردوا على النفاق- إذ صار لهم سجية وخلق وألفة، فهم يتكيفون كصراصير الأرض وحشراتها، لقدرتهم على الكمون والخداع والتلعب، فهو ليس نفاق الشدة والقسوة والغلظة لكنه نفاق التلون والتكيف والقدرة على مسايرة الظرف، كأن صاحبه لا عَظم له، فهو قادر على الدخول في أي شكل وحال ليكون جزءاً منه.
﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون﴾
هذه تبين مراد الله تعالى في قوله ((الأعراب أشد كفراً ونفاقاً)) على المعنى الذي تقدم، وهو أن الأعرابي إن كفر أو نافق كان نفاقه وكفره أشد من غيره، وفيهم كذلك المؤمن، وليس المراد بها أن كل أعرابي منافق أو كافر كما يظن البعض، وإذا وصف كفر الاعراب ونفاقهم بالشدة فإن نفاق أهل المدن في هذه الآية يجعل لهم فضلاً ولا كرامة، ولا يفتح لهم باب التميز عن منافقي الأعراب، إذ أن نفاقهم فيه لون خاص من الشر وهو العتو والدربة والقدرة على الممارسة الطويلة، وسبب هذا النوع من النفاق أن صاحبه يعيش في الوسط المؤمن، ويتعامل في أغلب لحظاته مع المؤمنين، فهو يشهد مجالسهم وصلواتهم، فمثل هذا إن نافق فإنه يحتاج إلى قدرة خاصة لاخفاء نفاقه، شأنه شأن الجاسوس الذي يدَرّب ويمرن طويلاً حتى لا يكتشف أمره.
منافق الأعراب هو أعرابي النزعة والسلوك، فهو لا يتقن الإبتسام، ولا الكلمات المقربة للعواطف، لكن منافق المدن كالتاجر الكاذب، فهو مادح لكل آت، مبتسم لكل وارد، فهو يمارس النفاق والكذب من أول يومه إلى أن يأوي إلى فراشه ولهذا قال الله لنبيه ((لا تعلمهم))، مع أن دلائل النفاق التي نُصبت للمؤمنين في كتاب