تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد قال الإمام أحمد عن رجل ذكر أهل الحديث بسوء:- "زنديق، زنديق" أما والله لا يقول اليوم السوء على المجاهدين إلا ونديق أو جاهل، فإن كان أهل الحديث هم من يذب الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن المجاهدين هم من يذب الزندقة عن دين الله، وهم من يذب الكفر عن أهل الإسلام، وهم من يذب الفاحشة عن أعراض المسلمين، منهم فتح الله باب الشهادة، وبهم فتح الله باب الإبتلاء في سبيل الله تعالى، وبهم فتح الله باب النفقة والهجرة والنصرة، وبهم عرف الناس أهل الإيمان من أهل الكفر والضلال، ولقد صارت طائفة الجهاد اليوم بفضل الله لا طائفة قتال فقط، بل جمع الله تحتها كل من ذب عن دين الله أن يصبح نفاقاً، وذب عن الإيمان أن يصبح كفراً، وذب عن الولاء والبراء أن يذوب ويذوى.

إن الجهاد اليوم هو الفارق بين السني والبدعي، وبين المحرف للقرآن وبين السائر على هديه كما سار الأوائل، لا لكون الجهاد سلاحاً يحمل، ولا معركة يخوضها المجاهدون، بل لأن الجهاد صار منهج تفكير، وطريقة فهم لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختياراً للسني بين مناهج الضلال التي كثرت حتى أفسدت عقائد المسلمين، والتي أغلبها يقوم على الجهال بالتوحيد والتلعب بالفقه ومسايرة واقع الهزيمة وتبرير الشر والضلال.

﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾

تقدم في آيات الرضى هذه رضى الله على رضى عبيده عنه، وفي آية الحب تقدم حبّ الله كذلك على حب عبيده فقال ((يحبهم ويحبونه))، لأن الرضا كالحب ثمرة ونتيجة فهو ثمرة من فعل الله بالعبد، ونتيجة لفعل العبد مع ربه، والملاحظ أن آيات الرضى توافقت مع دخول الجنان، فكان دخول الجنان ثمرة لهذا الرضى، وفيه كذلك يحصل تمام الرضى كما في الحديث الذي فيه إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة:- يا أهل الجنة، فيقولون:- لبيك ربنا وسعديك والخير بيديك، فيقول:- هل رضيتم؟ فيقولون:- وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك فيقول: ((أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً))، والعباد كذلك رضوا عن ربهم بما أمرهم، ورضوا عنه بما قدّر لهم، ورضوا عنه رباً لهم، ثمّ رضوا عنه لما حصل لهم دخول الجنان وحصول الرضوان.

والرضى هنا ليس هو الخضوع بل هو أبلغ منه، لأن الخضوع فيه معنى التكليف والمجاهدة، لكن الرضى الحاصل بعد الجنان وحصول كمال الرضوان فيها شيء أبلغ من ذلك كله، ويكفي أن يكون هو أبلغ نعيماً من الجنة نفسها.

وتقديم رضوان الله على رضى العبد لأن رضوان الله في تحقيق رضوان العبد أبلغ مما يطلب العبد، فإن العبد لقصوره يحصل منه الرضى على قدر عقله، ولكن رضوان الله يبلّغه أعظم مما يحقق له الرضى، ففي الحديث أن موسى عليه السلام سأل ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له:- أدخل الجنة. فيقول:- أي ربّ كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا آخاذهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربّ، فيقول:- لك ذلك ومثله، ومثله ومثله، فيقول في

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٧٥