تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سورة المائدة: ((قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم)).

فرض الله في القرآن مشطور على فعلين؛ أولاهما مطلق العمل الصالح والصدق مع الله، وثانيهما:- الجهاد والهجرة والنصرة والولاء والبراء، فانشغل أكثر المصنفين في بيان تحقيق الولاية في السبيل الأول، وقل من علق الولاية والرضى على الأمر الثاني، بل المسلمون اليوم لا يعلمون أن هذه الأعمال هي عبادات كالذكر والصلاة والصيام، وقد يمدح الناس العابد الناسك المعتزل لما يرون من سكونه وتفرده وتركه المنافسة فيما يتنافسون فيه، لكن لا يرون هذه المرتبة في المهاجر والمجاهد وشديد الوطأة على العصاة والكفرة والمرتدين، وما هذا إلا للغفلة عن مفهوم العبادة في الإسلام، ولغياب هذه الأعمال وضعف وجودها في المسلمين، وما هذا إلا للغفلة عن مفهوم العبادة في الإسلام، ولغياب هذه الأعمال وضعف وجودها في المسلمين، فالولاء والبراء غابت معالمه، وحل بدلاً منه مفهوم القرابة والنسب، وجاء اليوم مفهوم الوطن الذي لغى فيه مشايخ الضلالة وجعلوه ديناً يتبع، بل جعلوا دين الله تبعاً له، يحرمون ما يؤذيه حتى لو كان جهاداً في سبيل الله تعالى، ويوجبون ما يزينه ويحميه ولو كان شركاً بالله وكفراً.

لقد ارتبط مفهوم الولاية في أذهان المسلمين بنمط السكون، مع أن الولاية لله الحق لا تكون إلا للفاعل؛ المهاجر والأنصاري والمجاهد والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وقد كرست أنظمة الضلال الصورة المنحرفة للولاية عن طريق تضخيمها نمط السكون واعتزال الصراع معها، أما هؤلاء الذين يخرقون نظمها، ويفسدون ضلالها، ويكسرون حدودها، فيأتون الأعمال المتقنة التي تضرب ألوهيتهم الباطلة من أوراق وحدود ونظم فهؤلاء تلقى عليهم أسماء الجريمة التي تنفر الناس منهم.

إن رضا الله لا يكون بالبسمات التي تلقى لكل أحد، ولا بترك الولاء والبراء، ولا بترك الجهاد والهجرة والنصرة، ولا بترك تغيير المنكر، ولا بترك البشاشة في وجوه أعداء الله تعالى بل إن رضا الله وتحقيق ولايته هي القلب المخبت لربه، المحب للمؤمنين، والمبغض للكافرين، فهو محسن للصالحين، قتّال لأعداء الدين، وهو العقل الذي لا يكف عن النظر والتفكر، فآيات الله الشرعية والكونية هي محط نظره، فهو يعرف الجاهلية كما يعرف الإسلام، وكما يقرأ سير المؤمنين والصالحين فهو يقرأ سير المجرمين والكافرين، وكل قراءة له تحقق عبودية لله لما تلقي في قلبه من معاني تسبيح الله وتحميده وتأليهه وتكبيره.

ولاية الله وتحقيق رضاه ليس غياباً عن الوجود، لأن الغياب عن الوجود يعني الضّعف وقد يصل للموت، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُعدّ الجيوش وهو في صلاته، وقد تعلم هذا من سيده وسيدنا وسيد ولد آدم محمد بن عبد الله لما أرسل عيناً ثم قام يصلي، فجعل ينظر إلى فم الوادي يستطلع عينه، وقد فسّر ابن القيم هذا الأمر بأن هذا من أعظم حالات تحقيق العبودية إذ يجمع العابد بين صلته مع الله بالنسك، وقيامه بحق الأمة عليه، ومن فرائد ابن تيمية في فقه تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق حتى خرج وقتها أنّ هذا التأخير كان باختياره لا نسياناً، لأن واجب الوقت هو القتال ودفع شر المحاربين المشركين، ولا أعلم أحداً من أهل العلم قال هذا القول معه لا قديماً ولا حديثاً، ولكن ما يهمنا هو ما لاحظه هذا الفقيه من موضوع العبودية.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٧٤