تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إدراكه حقيقة رضوان الله على العبد، فالحديث عن رضوان الله حديث عن نفس الله تعالى، وربنا يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار وهو السميع العليم.

هذا الرضى لا يكون إلا لأقوام يدركون قيمة المعاني القلبية، فالحب عندهم أغلى من الذهب والفضة، وبسمة المحبة تعدل الوجود كله، وأذواق الكلمات أجمل من أذواق الأطعمة، وأكسية الضمات أبهج من أسية الحرير، وحين يكون الحديث عن رضى الرحمن، فهو حديث القلوب ومعانيها، وحديث الدموع التي تخط أجمل الكلمات والحروف، وحديث التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وحديث اسرار المحب بين يدي حبيبه في دجى الظلمات، حين يسجد بين يديه، ويناجيه منادياً ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح)) ويعظمه موحداّ ((سبحانه ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)) فتغشاه هيبة الحبيب وعظمته وجلاله وجماله فيسر له ما يشتهيه: ((اللهم إني أسألك رضاك والجنة))، ويلقي على عتبة الذل حاجات العبد لسيده وحده لأنه حسبه ونعم الوكيل.

محجوبون أهل المعاصي وأهل الجهل، ولم يعرفوا قيمة الحب والرضى، فهم أغبياء وجهلة، أشبه بالدواب لأن قلوبهم غليظة منكوسة، لا تغشاها المعاني، ولا تحركها الغيبيات التي هي آتية ولا ريب فيها.

كل هذه المعاني القلبية للعابدين يدركها أقوام لهم فعل مميز في تخطي حجب الواقع، فهم يصارعونه، ولا يستعلون عليه، فيذهبون مهاجرين ويتلقاهم أنصار ليحصل لهم الرضوان، هذا ليعلم أن الأعمال التي تجمل المعاني العبودية أقوى تأثيراً من أي عمل آخر من أعمال الإيمان، لأنها هي التي تحمي كل الأعمال، فلا يمكن للسابق في الهجرة، والسابق في النصرة إلا أن يكون مصلياً ذاكراً عابداً مخبتاً، لأنه في كل لحظة هو في عبادة، إذ هناك من العبادات ما يفتتحها المرء بعمل ثم ينتهي بعمل، كالصلاة فإن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، والصيام له مبتدأ ومنتهى في اليوم معلومان، والحج يبدأه المرء محرماً ثم إذا قضى تفثه أحل، لكن هناك أعمال عبادية هي الحياة كما هو شأن المهاجر الأنصاري، فهما في عبادة في كل لحظة من لحظات حياتهم، في صحوهم ونومهم، في قيامهم وقعودهم، في جدهم ولهوهم، فعبادتهم لربهم تستغرق حياتهم كالخيل إن وقفها صاحبها في سبيل الله تعالى، فإن روثها التي تضعه في ميزان العمل الصالح يوم القيامة كما جاء في الحديث، ولهذا فإن الجهاد لا يعدله عبادة إلا أن يقوم الرجل فلا يفتر، ويصوم فلا يفطر حتى يرجع المجاهد، وقد لا يرجع المجاهد فكيف يبلغه هذا العابد القائم الصائم؟!

لقد علق الله الرضوان في كتابه على مواطن تقدم في هذه السورة-التوبة- قوله: ((ورضوان من الله أكبر))، وفي سورة الفتح ((لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)) وفي سورة الحشر قال: ((لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم الغالبون))

وقال في سورة البينة ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه)) وقال في

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٧٣