بالحق لكنه معاند له بسبب الخوف على المكاسب، أو بسبب الكبر من اتباع الداعي، أو جاهل لم يستطع تمييز الحقائق الهادية عن الضلالات المستقرة، ثم يبدأ الصراع بين الطرفين.
((السابقون)) يتحملون كل المشقات، ويحفرون الطرق ليسير الآخرين عليها، وكلما تقدموا خطوة إلى مقاصد الحق ككثرة الأتباع كلما تخلخل الصف المقابل، وميزتهم في كل أطوار النبوة واتباعها أنهم منذ بداية الطريق يعلنون الغاء الآخر بتسميته باطلاً وضلالاً، ويدعون الجميع إلى الدخول وراءهم كلياً لا جزئياً كما قال مؤمن آل فرعون كما في سورة غافر ((ويا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد))، فإعلان الحق لا مواربة فيه، ولا ما يسميه البعض اتباع طرق ((السياسة)) على المعنى الباطل، وهذا مع أنه يعني شدّة المواجهة ودفع التكاليف إلا أنه يحقق الصدمة في الآخر والنصر، ويرسم طريق الأتباع أن الحق الذي يلتحقون به يوجب البلاء والمحن، وهذه السنة النبوية لا نهاية لها إلا على صورتين إما الشهادة كما حدث مع أهل الأخدود ومؤمن آل ياسين وإما النّصر، فالمشاركة التي تبنى على المناصفة بين الإيمان والشرك لا وجود لها في الخط النبوي الذي يدعو إليه القرآن الكريم.
لهذا فإن ((السابقين)) لهم معنى خاص في القرآن الكريم، وفي كل قرن- سابقون- كما في الحديث وكما قال الله تعالى عنهم في سورة الواقعة – ثلة من الأولين وقليل من الآخرين-، ويخطئ من ظن أن فضلهم ديني قلبي فقط، بل هم كما تقدم لهم فضل علمي، وبصيرة نافذة في معرفة جوانب الحق حتى مع خفائه على الآخرين، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم أهل بيعة الرضوان على غيرهم، وهم من فسّر بعض أهل العلم قوله ((السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)) بهم.
﴿والذين اتبعوهم باحسان﴾
الإتباع يمكن حمله على معنيين: أولاهما: أي اتباع المهاجرين والأنصار الأوائل في أعمالهم وسلوكهم وجهادهم، وثانيهما: أي اتباعهم بالهجرة والنصرة، فتكون الأولى لكل مسلم صالح مجاهد، وتكون الثانية لكل من هاجر ونصر على ما قام به الأوائل في كل زمن، فالصحابة السابقون من المهاجرين والأنصار هم أئمة كل مسلم في الهدى، وهم أئمة كل سابق في كل قرن يهاجر وينصر وتُذهب غربة الدين كما أذهب الأوائل غربته الأولى.
﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾
هذه غاية المنى، ونهاية الطلب، وأعظم ما يبلغها العبد، فكل غاية غيرها هي دونها، وكل نعيم مهما بلغ هي أسمى منه وأرفع، فما أعظم وأجل وأغلى أن يرضى الله رب العالمين عن العبد!!، حينها يكون سمعه الذي يسمع به، وعينه التي يبصر بها، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فإن سئل أجيب سؤله، وإن استعاذ دخل في كنف القوي العزيز.
رضى الله مرتبة يمكن لنا أن ندرك آثارها، لكن حقيتها لا يمكن وصفها، فإن كانت الجنة، وهي أثر من آثار الرضوان، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فكيف يمكن للمرء القاصر أن يبلغ