كما قال تعالى ((وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا))، وقال تعالى على لسان قوم نوح ((لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المخرجين))، وكان الإخراج هو أحد اختيارات قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ((وإذ يمكر بك الذين كفروا ليخرجوك أو يثبتوك أو يقتلوك))، ولكن مما يلاحظ أن هذا الإخراج يرافقه تحريض عليهم، وقد يندمون في منتصف الطريق، فيحسدون المهاجرين على النجاة، أو على تحقيق الأمان والأنصار في المكان الجديد، ولذلك سعت قريش إلى منع النبي صلى الله عليه وسلم من الهجرة بعد أن استقر رأيهم على قتله بالطريقة التي أشار بها عدو الله أبو جهل، فالهجرة بكل صورها مكسب للمهاجر، وسترتد على البلد المعادي الآثار السيئة بسبب خسارتهم له، وهذا قد ينشئ المدافعة بعد ذلك بين الفريقين، ولذلك لا ينبغي النّدم على الهجرة لأن لها من الفضائل التي يحصلها المهاجر في نفسه وغيره الكثير.
الأنصار حالة إيمانية راقية قوامها البذل كما قال تعالى ((والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون))، ثم ينتهي هذا البذل إلى شيء واحد وهو رجاء الدار الآخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:- ((ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) وقال:)) أيها الناس، فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام))، ولقد كنت أعجب من تسمية الشباب المهاجر إلى مواطن الجهاد بالأنصار مع أنهم مهاجرون، وأهل البلد هم الأنصار، إلا أنني تفكرت بحالهم الذي يصيرون إليه بعد كل هجرة فوجدت أن مآلهم هو مآل الأنصار الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يقدمون كل شيء ثم يعودون إلى لا شيء سوى الآخرة، فحق لهم بفضل الله وصف المهاجرين للفعل ووصف الأنصار للمآل، فاجتمع لهم في زماننا طرفا الفضل، وهذا من نعم الله وفضله، فهم يهاجرون عن أوطانهم، وينفقون من أموالهم، ويجاهدون بأبدانهم، ثم يقلون ويكثر الناس، ويصدر الناس إلى مناصبهم وأماكنهم ولا يكون لهؤلاء إلا رحلة جديدة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
﴿والسابقون﴾
السبق فضل إلهي، لا يلحق به إلا أصحاب وعي مبكر على الحقائق، وإرادات قوية لا تأبه لمخاطر الطريق، لأنّ النهج المسيطر له سطوة على النفوس، ولطولة الألفة له تجعل له حكم اليقين، فحين تأتي الحقائق المخالفة لهذه الكتل الصلبة من العادات والتقاليد والمفاهيم تكون غريبة غير مقبولة، فاستجابة أفراد لها يعني وجود تميز في إدراك هؤلاء على الحقائق، وربما يكون- وهو أغلب- صراع سابق في نفوسهم حول هذه المفاهيم القديمة، فهم في شك منها، فبزوغ الحقائق الجديدة يكون فيه التلاقي مع شكهم القديم، ولكن هذه تبقى مجرد حوارات داخلية للنفوس إن لم يرافقها إرادات قادرة على دفع ثمن مخالفة المجتمعات والقوى المسيطرة والأفكار التي تتحول مع الزمن إلى مؤسسات تستفيد منها مالياً وسياسياً واجتماعياً.
هذا الوعي يسميه السلف بالنور الذي يقف في القلوب، فيتمكن منها، ويختلط في دم المرء ولحمه وبشره، ويكون معه لذة العمل، ولذة تبليغه، والصبر على أذى المخالف، والذي تكون جبهته (أي المخالف) من عالم