تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللهم صلّ على آل أبي أوفى)) وهذا العمل منه صلى الله عليه وسلم استجابة لأمره سبحانه ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم)).

﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم﴾

هذه الفئة هم عصبة المجتمع المؤمن، وهم عمادته، وعلى أكتافهم تقوم المهمات الأولى للبناء لأنهم ((السابقون))، فهذا مجتمع مؤمن يصطبغ أهله بالصفات الإيمانية، فهم مهاجرون، وأنصار.

الهجرة تبدأ بسبب الفتنة في الدين كما قال تعالى ((والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوأنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون)) وقال سبحانه ((ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)) وقال سبحانه ((فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب)) ومدح القرآن لها رد على من يعتبرها هروباً أو ضعفاً عن المواجهة، فهي تعبر عن اختيار المؤمن المهاجر للدين والإيمان على ما يحب من الدنيا، كالأهل والوطن والمال والمسكن والإيلاف، وهي اختبار للأنصاري بالبذل وتقديم رابطة الإيمان على رابطة القرابة والأرض، فما ينشأ بعد ذلك من صلات بين هذين القطبين يكون مبنياً على حب الله وحب الدار الآخرة، وعلى علاقة الإيمان، وهذا ما يسمح بتشكيل سلوك هذا المجتمع على أساس الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

سكون المجتمع، وبقاء صلاته المستقرة على الإيلاف والعادة والتقاليد تمنع السلوك الإيماني للعمق، وحصول الهجرة والنصرة يخلخل هذه الصلابة المستقرة، وخاصة أن القرآن قدّم المهاجرين على الأنصار، فإقرار الأنصار بهذه التقدمة تعني تغيير موازين القوى في داخل المجتمع، إذ يقبل أهل الأرض بإمامة المهاجرين إليهم وتقدمتهم، وهذا ضَرْبٌ لأشق ما تلاقيه المفاهيم الإيمانية في أي مجتمع من المجتمعات، لأن الألفة والعادة والقوى المستقرة هي الستار القوي الذي يمنع لحوق المجتمعات بدعوة الأنبياء كما قال تعالى عن قوم فرعون ((قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين)) فهذا اعتراضان بينهم؛ أولاهما يتعلق بالتقاليد والموروثات، والثاني: تغيير موازين القوى في داخل المجتمع، إذ استكبر قوم فرعون أن يتبعوا رجلاً من قوم هم لهم سخرة وأتباع كما قال تعالى ((أنؤمن لبشرين مثلنا وقومها لنا عابدون))، فالهجرة والنصرة كما أن فعلاً إيمانياً عظيماً يدلان على نجاح المؤمن في اختباره، إلا أنهما كذلك فعلاً مهماً في إرساء المفاهيم الإيمانية بدل الجاهلية القديمة المستقرة، ولذلك تجد المهاجر أكثر قبولاً من الساكن، والمجتمع المتعدد أوسع وعياً وإدراكاً من المغلق.

ابراهيم عليه السلام سمّى الهجرة ذهاباً إلى الله ((إني ذاهب إلى ربي))، لأن البقاء تحت قانون الكفر رضى به يعني الدخول معهم في دينهم وعبادتهم كما قال تعالى على لسان المؤمنين من فتية أهل الكهف ((إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً)) لكن هل يمكن أن تلتقي الهجرة في سبيل الله مع مقاصد الطواغيت في إبعاد المؤمنين عن مجتمعاتهم؟ الجواب: نعم، فإن الكافرين هددوا الأنبياء بالطرد

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٧٠