مقاصدهم في بلاد المسلمين، ثم يرمونهم رمماً بالية، فهم محاطون بأمر السوء، ولا قيام لهم منه، وشواهد هذا الحكم الرباني عليهم قديماً وحديثاً، فقد دخل منهم طوائف مع الصليبيين وكانوا خولاً، ودخل منهم طوائف مع الصليبيين الجدد في مطلع القرن الميلادي الماضي عند انقسام دولة الخلافة العثمانية فلم يكن لهم شأن إلا أنهم خول وعبيد، يساقون بأقل القليل من الطعام يعلفون به كالدواب، ثم لا يكون لهم شأن ما، وهم كذلك خول مع اليهود في فلسطين، ومع ذلك هم أقل طبقات المجتمع كطبقة المنبوذين في الهند، فهم قوم جبلوا على الخسة لإحاطة دائرة السوء عليهم بما رضوا لأنفسهم من الجهل والقسوة وقلة الوفاء، كل ذلك لجهلهم أن انقلابهم إلى الكافرين عند حصول دائرة على المسلمين يجلب لهم المصالح والمنافع، ويريحهم من تكاليف الإسلام، ومن مهمات الإلتحاق بجماعة المؤمنين، فلا يكون لهم إلا ضد ما قصدوه، بل هم يؤذون من أسيادهم أكثر مما يصيب المؤمنين، ومع جريان هذه السنة واضطرادها إلا أنه لجهلهم وغفلة قلوبهم وقسوتها لا يتوبون ولا يذّكرون، بل يطيرون إلى كل فتنة تأتي، فحق عليهم قوله تعالى ((عليهم دائرة السوء))، فصار أمرهم أمر اليهود في قوله تعالى ((ضربت عليهم الذلة والمسكنة)).
فائدة فريدة:- أخرج ابن سعد عن أنس بن مالك قال:- بعثني الأشعري إلى عمر -رضي الله عنه- فقال عمر:- كيف تركت الأشعري؟ فقلت له: تركته يعلم الناس القرآن. فقال: أما إنه كيّس، ولا تسمعها إياه! ثم قال لي:- كيف تركت الأعراب؟ قلت:- الأشعريين؟ قال: لا، بل أهل البصرة، قلت:- أما إنهم لو سمعوا هذا لشق عليهم! قال: فلا تبلغهم، فإنهم أعراب إلا أن يرزق الله رجلاً جهاداً في سبيل الله.
في هذا النص فائدتان فيما نحن فيه:-
أولاهما: كراهة الناس لاسم الأعراب زمن عمر رضي الله عنه مما يدل على تغير مزاج الناس زمانه في اطلاق هذه التسمية.
ثاينهما:- أن الجهاد في سبيل الله تعالى يرفع اسم الأعراب عندما يكون هذا الاسم ذماً لقوم.
فأهل البصرة أعراب عند عمر ماداموا قاعدين في بيوتهم، فإن جاهدوا خرجوا من هذا الوصف.
لما كان ((الأعراب)) حالة لا تشكل داراً بالمفهوم الفقهي الذي اسمه الدار على غلبة الأحكام، حتى إن الإمام أحمد يجعل لهم وصفاً خارج دار الإسلام ودار الحرب، يسميها ((دار أعراب))، أي أنها لا تنتظم تحت حكم غالب يجعل لها وصفاً شرعياً بالإيمان أو الكفر، وهو وصف يطلق كذلك على حالة الفوضى في الأمم والشعوب، كان الحكم يتعلق بالافراد، فمنهم- وهم الأغلب- أشد كفراً ونفاقاً، ومن أنفق منهم حالاً في واجب كان انفاقة تحت الكره، وعُدّ ما يؤخذ منه على وجه الغرم والخسارة، ومنهم لا يكون كذلك، بل هو مؤمن بالله واليوم الآخر، وهو ينفق ماله طمعاً في القرب من الله تعالى، وأن يدخل في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه، ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمتصدقين والمنفقين كما في الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صلّ على فلان:،