تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾

الحق طيب قوي في نفسه، ويحتاج إلى وعاء قوي طيب لإعطائه الفاعلية، فوضع الحق في غير موضعه كوضع الجواهر في أعناق الخنازير كما جاء في بعض الكتب، ولما كانت قلوب ((الأعراب)) قاسية لا تهتدي، كان علمها بالحق غير نافع لها، بل سيذهب هذا الحق إلى معاني الباطل في قلوبهم ليتخذوه خادماً لهم، ولذلك فإن أصحاب الفتن والضلالات والأهواء لا يحدّثون بالأحاديث التي يتخذونها سلماً لخدمة باطلهم، فقد ندم أنس بن مالك رضي الله عنه لما حدث الحجاج بحديث العرينين، والذي فيه صفة قتل أهل عكل وعرينة الذين خانوا أمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمل أعينهم وجدع أنوفهم، ورماهم في الحرة يستسقون ولا يسقون، وذلك قصاصاً لما فعلوه في أمر راعي إبل الصدقة، فاتخذ الحجاج الفاسق هذا الحديث حجة له في بطشه وظلمه، وهذا يدل على أن المعاني تتأثر بالأجواء النفسية لمتلقيها، فتنكسر كما ينكسر الضوء في انتقاله من جو إلى جو آخر له كثافة أخرى، ومن أخطاء الوعاظ اليوم هو هذا السيل المتكرر في وعظهم بوجوب الحكمة والمسالمة والإحسان، في وقت صارت الأمة إلى نعاج مسالمة، قلما من يقوم منهم إلى نفرة السلف إلى المعالي، ولذلك ضرب الله مثل الصحابة رضوان الله عليهم لكل أمة ما يلزمهم من النقص فيهم فقال سبحانه وتعالى ((محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة))

فكان مثلهم لنبي اسرائيل القساة مثل العباد في ركوعهم وسجودهم، وأما مثلهم في الإنجيل فهو ((ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار))

فإن اللين الذي في قلوبهم، والرهبانية التي ابتدعوها استلزم أن يُضرب لهم في الصحابة مثل القوى والغلظة على أعداء الله تعالى، وهذا من حكمة القرآن في تقويم كل فريق بما يلزمه.

ومن فوائد هذه الآية أن العلم له بيئته التي تعين عليه، وكذا الطاعات والعبادات، فالمرء إن أراد الخير لنفسه أن يرحل عن مواطن الغفلة والشر، فالأعرابي الذي في البادية إن أراد رقة لقلبه أن يغير بيئته إلى أخرى، والعاصي إن أراد احسان التوبة أن يرحل عن قوم السوء إلى أهل الطاعة والإنابة، ومن الخير للجميع أن يعرضوا عقولهم على الآخرين، فإن المرء لا يأمن أن يكون أسيراً لمعاني خاصة في ظرفه وبيئته لا عماد لها من الحق والواقع، فالقراءة وهي رحلة في الآخرين تقوّم النفس والعقل، وكذا ملاقحة أفكار الرجال باللقاء والرحلة، فإن أفسد ما يعتري الإنسان هو أن يكون أسيراً للوهم وهو لا يدري، وأما الإحتجاج بكلام السلف في ترك المناظرة والمباحثة فهذا له ظرفه الخاص عندهم، ومثال ذلك ما ينقل عن الإمام مالك رحمه الله في نهيه عن المناظرة وقال: "كلما جاء رجل ألحن بحجته من الآخر تركنا ديننا" فالإمام مالك بينه وبين الصحابة جيل واحد، فهو مطمئن إلى البيئة المهتدية التي يعيش فيها، وهي بيئة المدينة، وفي زمانه كانت أخلاق وعلوم وأجواء المدينة النبوية التي يعيش فيها، وهي بيئة المدينة، وفي زمانه كانت أخلاق وعلوم وأجواء المدينة النبوية انتاجاً خالصاً لما عليه الصحابة رضي الله عنهم، ومع ذلك فقد وجد في عصره ومن تلاميذه من نازعه في ذلك في بعض الأمر لا في أصله، فالصحيح أن عمل أهل المدينة قبل فتنة مقتل عثمان ذي النورين حجة في

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٦٦