((الأعراب)) وصف لا علاقة له بالجنس كما يظن البعض، بل هو وصف لحالة حياتية قوامها عدم الإنتظام والتوزع، ويقابلها التمدن، أي العيش في المدن والقرى، فأي عيش يكون بعيداً عن الإنتظام، وعدم مفهوم الجماعة هو ((تعرب)) سواء كان أهله من العرب أو العجم، ففي العرب تعرّب، وفي العجم تعرّب كذلك، وسبب شرور هذه الحالة هو البعد عن النظام، وقساوة المحيط مما ينعكس على القلب، وأعماله من قساوة وشدة، فإن وقع في هؤلاء الشر كان أعظم من وقوعه في غيرهم، لملائمة هذه القلوب القاسية للشر الذي يحل فيها، ولذلك كفر هؤلاء أشد ونفاقهم كذلك، ولا يعني أن غيرهم لا يكفر ولا ينافق، لكن توافق قسوة القلوب مع الكفر إن وقع ومع النفاق يجعل أمرهما شديداً.
فإن حصل وعلم هذا النوع من القلوب الخير والسنن والدين صار فيها نفرة من ذلك كله كما قال تعالى ((ويل لكل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم، وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين)).
هنا لابدّ من القول إن هذا الموضوع، وهو موضوع العلاقة بين الطبائع والأفكار، أو بين الأجناس والمذاهب موضوع طويل، ويحتاج إلى مؤلف مستقل، والقرآن الكريم هو مصدر الحقيقة في ذلك، لأنه قد قيل الكثير؛ من التوراة إلى يومنا هذا، وسيطر المنهج الطبعي والإستعلاء، وخدمة القضايا القومية والشعبية في تبرير الأبحاث، واستخدمت هذه الدراسات قوة دافعة لتدمير الآخر، وشحن الذات للإستعلاء عليه وسلبه وادعاء تعليمه أو إدارة شؤونه لعجزه عن ذلك.
أئمة هذه الألاعيب هم الغرب الكافر، وهي قديمة رافقت نابليون في غزوه لمصر منذ البداية ثم امتدت حتى هذه اللحظة حين غزت أمريكا العراق، ويقوم بكبرها رجال يزعمون العلمية، والحيادية، وهم في الحقيقة صورة من صور الحرب ضد هذه الأمة.
إذا أردت أن أجمل حقائق القرآن لموضوع الجنس والتاريخ والجغرافيا فإنه يمكن أن يقال التالي:-
- البشر كلهم جنس واحد، فلا يتميز جنس عن جنس في فطرته وتكوينه، كما قال تعالى ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا))
- لا يملك أي إنسان في هذه الفطرة أي معرفة خاصة تميزه عن غيره، بل كلهم يخرجون صفحة بيضاء كما قال تعالى ((والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)) فهذه الدار ليست امتداداً معرفياً لحياة سبقتها، ولا هي جزاء لحياة أخرى، ولا عقل الإنسان قد شغل قبل ولادته بأي معرفة.
- ... الإنسان صناعة يتأثر بكل ما يحيط به كما قال تعالى عن موسى ((واصفيتك لنفسي))، فهو ابن محيطه الفكر ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))، وابن بيئته الجغرافية والعملية ((من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل))، والله يقول ((وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث))، وقال تعالى ((أومن ينشؤ في الحلية وهو في الخصام غير مبين))