يدري، لأن الفقه فوق الحصر، وكذا التفسير، ولكن هذا لا يعني أن الفقيه لا يخطئ، وأن المفسر لا يخطئ، لكن وجود الخطأ في الفقه والتفسير شيء، واسناد أساس انتاج الفقه والتفسير إلى حصر زماني واجتماعي شيء آخر، ولعلّ ابن تيمية حين كتب رسالة ((ايضاح الدلالة في عموم الرسالة)) كان يستشعر طلائع هذه الزندقة في عصره، والشيطان هو الشيطان، والزنادقة في كل عصر هم هم، تتغير أشكالهم وأساليبهم، لكن أساس ضلالهم يعود إلى أصول واحدة.
النتائج النهائية لهذه الدعوات وهذه المناهج هي تحويل الإسلام كله إلى معنى من معاني النفاق، أي مسايرة الواقع، وألعوبة بين الملأ والمتنفذين واتجاهات القوى، ورحم الله الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة حين رفض هدم الكعبة لبنائها على أصول ابراهيم عليه السلام حتى لا تصبح ألعوبة بين الملوك، أي مطية للإرتقاء على ظهرها، وأين لنا اليوم من فقيه كإمام هو النجم في العلم والدين والتقوى، ولا يسير إلى ركاب السلاطين حفاظاً على هيبة الدين، بل يقول لخليفة ترتجف منه أوصال الملوك في المشرق والمغرب= هارون الرشيد: ... "العلم يؤتى ولا يأتي"، ولقد كانت أول صدمتي فيمن يقال لهم المشايخ والمفتين أني حضرت دورة علمية مع خريجي الكليات الشرعية، وفيها من يحمل درجة الدكتوراة والماجستير، وأقلهم مستوى الشهادات يومها من هو مثلي أي يحمل الدرجة الجامعية الأولى، وكان أن حضر زائر لهذه الدورة من يقال له في البلد الملكي- ولي العهد-، وقبل حضوره قام القائم المسؤول على هذه الدورة ليطلب من أصحاب العمائم الرسمية- وكلهم يلبسها إلا القليل، أن لا يقدموا طلبات الحاجات ليد هذا الرجل كما يفعل العوام عند زيارته لهم، ووالله رب العرش العظيم ما كنت أظن أن طالب علم شرعي يقف أمام أحد هؤلاء فيسأله كما يسأله المتسولون، فذهلت من هذا التنبيه، ولكن مضى المتحدث ليقول: لا تفعلوها كما فعلتموها من قبل، بل أعطوني طلباتكم وأنا أقدمها له، ثم جلسنا فدخل الرجل، وذهلت أخرى أن قاموا له كما يقوم التلاميذ لأستاذهم، وأكرمني الله بأن بقيت جالساً، ولم أسلم ممن كانا على جانبي ومن خلفي من لكزات تدفعني للقيام، فلم أفعل بحمد الله، ووالله ما فعلت ذلك إلا اكراماً لاسم العلم أن يهان أمام هؤلاء، ولكني رأيت حال طلاب العلم في هذا الزمان وكيف هم، ثم فتح الباب فرأيت وسمعت الكثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
﴿الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم، ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر، عليهم دائرة السوء، والله سميع عليم، ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، وصلوات الرسول، ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم﴾
هذا شروع في ذكر مراتب المجتمع المسلم، وما فيه من مكونات اجتماعية وإيمانية، وهي مراتب تتحدد من خلال فعل الجهاد وحركته، فالهجرة وما بعدها من تكوين المجتمع الذي يحمل على عاتقه الدعوة إلى الله وإدخال الناس في دين الله، وقيادة حركة الوجود بصفته فاعلاً في الآخرين، وما يعنيه القرآن هو البناء الداخلي، لأنه هو المهم في أداء هذه المهمة، وقد بدأ الله بالأعراب باعتبار وصفهم جماعة ضعيفة الصلة اجتماعياً وسياسياً بالمدينة المنورة.