كل هذا بين في كتاب الله، أما كون العرب (أي الصحابة الذين حملوا الإسلام لغيرهم) حالة اجتماعية لا دخل لها في الدين، فهذه ذات منشأ شعوبي قديم، وهي منتشرة اليوم بكثرة، ولكن ليعلم أن كثيراً من أهل الفقه يرون أن المرجع النفسي لمدلولات الألفاظ الشرعية إنما يعود للمعاني النفسية العربية، هذا مع إجماعهم على أن مرجع المدلولات اللغوية للغة العربية، ومن ذلك قوله تعالى ((يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث))، فمدلول لفظ الخبث هل يعود فيه إلى نَفْس العربي في الاستقذار أم لا؟ فالشافعي رحمه الله تعالى يرى ذلك، ويقول: إن ما يراه العربي خبيثاً هو الخبيث ما لم يأت نص برفع الخبث عنه، ويرى آخرون خلاف ذلك، وأن الأشياء لا تحل حكماً قبل ورود الشرع، وقد شرح هذا ابن تيمية في كتابه الأصولي:- ((إيضاح الدلالة في عموم الرسالة))، وأنا لي ميل في هذه المسألة لكلام الشافعي، مع ما ذكره ابن تيمية من تقوية لكلام الآخرين، وبعيداً عن هذه المسألة فإن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضي الله عنهم هما الأسوة الحقيقة لكل مسلم، وهما مثال الكمال الإنساني للعربي ولغير العربي، فالقول بعزل الإسلام عن صورة المجتمع العربي الذي نزل عليه القرآن الكريم هو عزل النموذج العملي للشرع، وهذا ما يريده هؤلاء الأخباث، لأن هذه المقدمة هي التي تجعل لهم حرية تفسير الكتاب والسنة تفسيراً باطلاً يوافق الأهواء وأمزجة المجتمعات والرغبات، فإن اللغة مهما كانت واضحة صريحة، ومحكمة ومفصلة إلا أنها تحتاج للنموذج العملي الذي يبين المراد، ولذلك قال الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم:- ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً))، فعزل النموذج المتقدم من هدي النبي العربي وأصحابه العرب عن الكتاب والسنة القولية هو إفراغ الكتاب والسنة من محتواها الحقيقي، وهنا يبدأ الإملاء لهما بالنماذج الأخرى لما يضاف للإسلام من صفات، فيصبح هناك إسلام خاص لكل قوم.
ومما يؤسف له أن بعض من لا يعي نتائج ما يقول، ولا لعبة الآخرين به زعمه أن اجتهاد الفقهاء القدماء كالأئمة الأربعة وغيرهم هو نتاج واقع اجتماعي وظرف زماني، ولذلك يدعون إلى اجتهاد جديد يلائم الواقع الجديد والظرف الزماني المتجدد، وهذه زندقة صريحة، لأن هؤلاء من جهلهم لا يعرفون أبجديات أصول الفقه، فإن الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه العظيم –الرسالة- جعل أول كلمة في كتابه هي: ((معنى البيان))، فمنطلق الفقيه- في كل عصر- لإدراك حكم الله تعالى هو العودة ((للبيان)) أي اللغة، أي إن الفقيه يجتهد في إدراك حكم الله في المسألة من خلال اجتهاده في معنى ((النّص)) من جهة دلالته اللغوية أولاً وقبل كل شيء دون أي شيء آخر معه، وكل شيء آخر هو للإعانة على إدراك معنى ((النص- البيان)) كأسباب النزول وغيرها، وهذا هو ((الفقه)) في الشرع، و ((البيان)) فوق الواقع الإجتماعي والظرف الزماني، لكن ((الفتوى)) هي التي تحتاج مع ((الفقه= إدراك معنى البيان)) إدراك الواقع، وذلك كالفرق بين الفقه والقضاء.
وهؤلاء القائلون بهذه الضلالات هم نتائج لعبة الحداثة المعاصرة، ومنها لعبة ((التاريخانية)) أي قراءة النص القرآني والنبوي من خلال ظرفه الزماني والإجتماعي، ووراء هذا زندقة وكفر بالله، وهي أن القرآن انتاج زماني اجتماعي وليس كلاماً ربانياً.
فمن يقول بوجود فقه بدوي، وفقه حضري، هو ألعوبة لهذه الزندقة دون أن يدري، والذي يقول:- إن تفسير سيد قطب ((في ظلال القرآن)) هو انتاج لحالة نفسية مقهورة، بتفسير مأزوم، هو ألعوبة لهذه الزندقة وهو لا