تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الظرف القدري بالنسبة للمؤمن فرصة لإثبات صدق مواقفه، فهو لا يبدل ولا يغير، لأن الحق عنده مفهوم مطلق فوق الزمان والمكان، فهو ما قاله الله ورسوله، أما الظرف للمنافق فهو فرصة لاثبات القدرة على التشكل في داخله، والتلون بلونه ليتلائم في داخله بما لا يعوقه أو يتعبه أو يقضي على مصالحه، ولذلك فالمنافقون هم أبعد الناس عن التأثير في الحياة، ولا يمكن لهم أن يشكلوا لوناً للحياة في مجتمع من المجتمعات، فهم أجبن من ذلك، وأضعف إرادة في الوقوف أمام العوادي والتقلبات، وهذه خصلة يمكن للمرء أن يعرف فيها المنافق من الصادق، ولذلك فمن مصائب الإسلام في أهله وحملته أن يكونوا جزءاً من كل تشكل، حتى المتعارضات، وأن يكون أهل الفتوى فيهم على نسق كل دولة أو حاكم أو طاغية، وهذا يعني النفاق بلا مثنوية، لأن الإسلام ليس تابعاً، بل هو رأس يشكل الآخرين، ويمضي بهم إلى مقاصده، لا أن يمضي الإسلام إلى مقاصد الآخرين ليخدمها، فحين ترى الإسلام داخل الآخر، وحين ترى أهله يتشكلون مع كل قوى حاكمة فاعلم أن أصحاب دعوى الإسلام هؤلاء منافقون، فإن جاء الإسلام حلفوا لهم ليرضوهم، وإن جاء أعداء الإسلام حلفوا لهم ليرضوهم، وبذلك سقطت قيمة الحق، وصارت المنفعة هي الحاكمة.

لقد تطور النفاق اليوم، وذر رأساً جديداً، وذلك بتحويل الإسلام نفسه إلى حالة نفاق ممقوته، لا يكون الناظر مفرقاً بين الإسلام الحق وبين ادعيائه الكذبة من المنافقين، بل يصبح المقت والكره موجهاً للإسلام نفسه، أي الإسلام الذي يريده المنافقون، وذلك بتشكيل جديد لصورة الإسلام، وهذه عمادها دعوة باطلة لجعل الإسلام منسوباً لخصوصية اجتماعية، فهناك الإسلام العربي، وهناك الإسلام الأوروبي، وهناك الإسلام الآسيوي، والإسلام الإفريقي، ويتولى كبرها أدعياء فقه وعلم، عامتهم يعملون أجراء عند الطواغيت، ويزعم هؤلاء الضالون المجرمون أن الإسلام قد انصهر في داخل المجتمعات التي آمنت به، وتشكل بصورة هذا المجتمع الجديد، ويزعمون كذلك أن العرب حالة اجتماعية يجب التفريق بينها وبين الإسلام الذي حملوه للعالم، وهذه الدعوة صورتها العملية أقوى في الواقع من تنظيرها الفلسفي والفقهي، وممارساتها العملية هي الأبرز، لكن وجد من تجرأ ليجعلها ديناً يتبع، ونسبها للإسلام زوراً وبهتاناً.

حقيقة هذه الدعوة هي تحويل الإسلام كله كحالة نفاق يتأثر بالظرف الإجتماعي والسياسي، ويسبغ على الواقع شرعية اسلامية، وحملة هذه الدعوة متأثرون بالأديان الباطلة التي تدين بها مجتمعات غير مسلمة، ولذلك تحول هذا الدين بسبب هذا التعدد إلى أديان، يجمعها اسم واحد كلي مع تفرق في كل شيء بعد ذلك، وهي مقدمة لالغاء فاعلية الإسلام في توحيد الخلق، وصناعة تفرق في الوجود على أساس الإيمان كما قال تعالى:- ((هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)).

القرآن يجعل المسلمين أمة واحدة كما قال تعالى ((وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون))، ويقول: ((إنما المؤمنون اخوة)) وكل هذا على المستوى العقائدي والتربوي، وعلى مستوى الولاء والبراء، وفي سورة الأنفال جعل الهجرة أساس العصبة السياسية فقال سبحانه:- ((إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض، والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير)).

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٦١