﴿إنهم رجس﴾
هم كاخوانهم الكفرة الذي قال الله عنهم:- ((إنما المشركون نجس))، ولذلك حرّم الله على الكافرين دخول المسجد الحرام، هؤلاء المنافقون طلب الله من المؤمنين الإعراض عنهم، وهو يشمل الهجران والعزل، فكلاهما فيه ما يوجب الإبتعاد وعدم المقاربة حتى لا يؤذى بهم الطيب من الأماكن، والطيب من المؤمنين.
﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾
هذه تفسير للآية السابقة في كشف نوايا المنافقين، وفي بيان معنى الإعراض الذي طلبه الله من المؤمنين، فالمنافقون سيحلفون للمؤمنين طلباً للإعراض، ظناً منهم أن ترك التأنيب واللوم يؤدي إلى الرضى القلبي، والقبول لهم، وهذا من جهلهم فإن الأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ((إن شر الناس من تركه الناس اتقاء شره))
وفيها بيان أن خضوع المؤمنين لإعتذار المنافقين، واسقاط اللوم الكراهية من القلوب ليس سبيلاً إيمانياً بل المطلوب هو أن يحب المؤمن ما يحبه الله، وأن يبغض المؤمن ما يبغضه الله تعالى، لأنه عبد له، يخضع له ظاهراً وباطناً، ويستجيب له في أمر البدن كما يستجيب له في أمر القلب والنفس.
وفيها أن حكم الحاكم والقاضي لا يكون في الظاهر والباطن، فإن حكمه لا يحل الحلال ولا يحرم الحرام إن أخطأ، إنما حكمه في الظاهر فقط، ويشهد لهذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم:- ((إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها)) وهذا يدل على أن الظاهر هو ما يقضى به عند الحاكم والقاضي مع اعتبار الباطن في نفس المتنازعين لقوله ((فليأخذها أو ليتركها)) ويشهد لهذا حديث عائشة في حادثة ابن وليدة زمعة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالظاهر وهو الفراش فنسبه لعتبة بن أبي وقاص فقال:- ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) ثم اعتبر الباطن فقال لسودة رضي الله عنها:- ((احتجبي منه)) لأنه من مائه، ولذلك فمن نسب للشافعي رضي الله عنه قوله زواج الرجل ابنته من الزنا فهو مخطئ، هذا مع أن الشافعي له قاعدة في العقود في اعتبار الظاهر دون النوايا والمقاصد، وخالفه الكثيرون، وقد ناقشت هذه المسألة في مصنف مستقل، والصواب مع الجمهور والله أعلم.
﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾
هذا الحرص الشديد من المنافقين بطلب رضى المؤمنين هو قرين ظرف العزة التي يعيشها المؤمنون، لما حققوا من انجازات في غزوة تبوك وما بعدها من دخول الناس في دين الله أفواجاً، لكن إن تغير الحال فإن أحب ما يطلبون هو إيذاء المؤمنين، وقد تقدمت هذه الصور في طور البناء والصراع مع الداخل والخارج، لكن هذا الانقلاب ببذل الوسع في تحصيل الرضى هو بسبب الظرف، فالمنافقون ابناء الظروف، فيشكلون مواقفهم بحسبها، وعندهم احساس شديد وقدرة استشعار عالية في معرفة حركة الريح أين تتوجه، فهم أول من يقفز من السفينة حين تهزها الرياح، وهم أول من يمسك الدفة (أو يحاول) عند السلامة وتهاديها إلى مقاصدها.