تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذه الآية يأمر الله المؤمنين بموافقة رغبة المنافقين، لا لتحقيق مقاصدهم من حصول البراءة التي تتوافق مع ترك التأنيب والملامة، بل لأن جرم المنافقين أعظم من يزول وينتهي بمجرد حصول التأنيب لهم، أو بمجرد كلمات عتاب تجري بينهم فيزول الذنب وتحل المحبة ولا يؤنبهم، فينصرفون لغلظة قلوبهم فرحين أن الأمر قد زال وانتهى، وأما ما حصل مع الثلاثة الذين تأخرت توبتهم فهم مؤمنون، فحصل لهم من الهجر والتشديد ليزول عنهم ما علق بهم، كما يحصل ممن علق به شيء فيشتد في ازالته ليعود تقياً، رضي الله عنهم وأرضاهم.

هذه القاعدة القرآنية قاعدة تضطرد في الفقه، فعلى الصحيح أن اليمين المغموس لا توجب كفارة كاليمين المنعقدة، لأن اليمين المغموس (أي تغمس صاحبها في الاثم والنار) اثم عظيم، لأن صاحبها حلف كاذباً، فهي تحتاج إلى توبة وإنابة، وأما اليمين المنعقدة فهي التي تحتاج إلى كفارة، لأن أمرها أيسر بكثير من اليمين المغموس، وكذلك القتل العمد، على الصحيح لا كفارة عليه أي صيام شهرين متتابعين إن لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها، بخلاف قتل الخطأ، فإن فيه الدية المخففة، والكفارة، وهكذا فإن الكفارة تكون لما هو أهون، وأما ما يكون فيه الذنب عظيماً فإن أمره لا يزول إلا بالتوبة من الجرم الذي اقترفه صاحبه، ولذلك فإعراض المؤمنين عن المنافقين، لأن ذنبهم عظيم، وكفى بذلك أن يقول ربنا عنهم ((إنهم رجس، ومأواهم جهنم وبئس المصير))، والرجس يغسل ويزال، ولا يُزال عنه، بخلاف الظاهر إن علق به شيء من الأوساخ اليسيرة فإن إزالته سهل ميسور.

وهذه قاعدة حياتيه تفيد أن لا ينشغل المؤمن في محاولات كشف المنافق لنفسه علناً، أي أن يأخذ منه اعترافاً بخطئه، لأن هذا الطلب ضرباً من العجب الذي لا يقع في حياة الناس، لأن المنافق يعلم نفسه على حقيقتها، والمؤمن يعلمه بما علمه القرآن وبما رأى منه، فحين تذهب لأخذ الاعتراف منه أنه كذلك قد أضعت وقتك وجهدك في أمر لا يكون، وهذا يقع فيه الكثير من المبتدئين وأحداث السن، فإن عركتهم الحياة، ادركوا أن اعتراف هذا الصنف من البشر بخطئه من عجائب الوجود، ولذلك يذهب الحكماء إلى قاعدة ((التغابي))، وهي خلق يكاد ينقرض اليوم، وهو من أعظم أخلاق السابقين، ولا يفعله إلا أصحاب خلق الإرادات السامية، لأن النفس تميل إلى الظهور ابتداءً، وتنزع إلى اظهار علمها خاصة حين الخصومة، ولكن أصحاب خلق ((التغابي)) يكبحون هذه النوازع، ويمرون للأغبياء الذين يتعالمون ويتخابثون ضحكاتهم، ويعرضون عنهم وهم أعلم الناس بهم، وإن أردت أن تعرف شيئاً عن هذا الخلق العظيم فحاول أن تحكي حديثاً لتجد أغلب الجلوس يسبقونك بإكماله، أو تسرد قصة أو مثلاً فالكل يتسابق إلى إظهار معرفته، والشعبي يقول:- "إن الرجل يحدثني الحديث أعلمه قبل أن يجتمع أبوه وأمه واسمع له كأني أسمعه لتوي"، فكيف لمثل هؤلاء تمرير خبث الخبثاء مع علمهم بهم، ولكن القرآن يقول ((فأعرضوا عنهم إنهم رجس))، فهذه قاعدة يحتاجها العالمون لدين الله تعالى في كل أطوارهم ليقل عداء الناس لهم، فإن أعظم ما يجلب عليك الخصوم هو إدراكهم أنك ذكي بصير بهم، فإنهم إن علموا ذلك منك ذهبوا يحيطون أنفسهم باتهامك مسبقاً حتى يدفعوا عن أنفسهم التهمة والريب.

و ((التغابي)) لا يعني أن تسكت أمامه ثم إن خرج ذهبت تتذاكى أنك تعرفه، وأن حيله مكشوفة عندك، فإنك إن فعلت نقضت ما غزلت، وذهب عنك بفعلك ما بنيت.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٥٩