تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وسيرى الله عملكم ورسوله﴾

هذا فتح رباني رحيم لباب التغيير والتوبة، فهذه سنة الله تعالى في عبيده أنه لا يغلق على أحد رحمته، فهؤلاء الذين وقفوا على الأخدود التي أوقدوا فيها النيران، ورموا فيها المؤمنين؛ نساءً ورجالاً وأطفالاً، لم يغلق الله تعالى عليهم باب التوبة بل قال:- ((إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)) فعلق الله جل ثناؤه العقوبة بعدم التوبة من الجريمة التي اقترفوها.

هذه التوبة المقبولة هي توبة العمل، فإن القرآن يعلم المؤمنين أن لا يقبلوا الكلمات، ولا صيغ الاعتذارات الجميلة، بل ما يقبله الله لتغيير أحكام المؤمنين فيهم هي الأعمال التي سيأتونها إن ندموا وتابوا إلى الله تعالى، وهذه تربية قرآنية عظيمة لأهل الإيمان، وهو إيقافهم في أحكامهم على الخلق بالأعمال التي يؤدونها، فهي الميزان والحكم، لأنها هي الحقائق التي تعبر عما في القلوب، وأما الكلمات فيتقنها كل أحد، والدموع والإعتذارات هي قوة المنافقين والعاجزين، ولذلك رد الله توبتهم على ما سيراه الله تعالى ورسوله من أعمالهم، وقد تأكد هذا الحكم بقوله تعالى ((ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون))

وبهذا فإن الحكم في الدنيا والآخرة يكون بأمر واحد وهو العمل، وذلك حين تكون الكلمات مجرد حجاب يتخذها أصحابها لتبرير اجرامهم أو سلبيتهم، لكنها حين تكون من أصحاب العمل فهي كلمات إيمان لها ثقلها في ميزان الله يوم الثبات.

﴿لن نؤمن لكم﴾

المعنى أننا لن نصدقكم في ما تقولون من اعتذارات، ولكن ذكر كلمة ((الإيمان)) هنا لتكون أبلغ في الدلالة، فهي تعني فوق عدم التصديق عدم الأمان منهم، ووجوب دوام الحذر مما يأتي من أعمالهم في المستقبل، فباب التعامل معهم هو المراقبة والرصد الدائم حتى لا يجدوا منفذاً لشرهم وخططهم، وتعني كذلك عدم قبول أقوالهم حتى في الظاهر وذلك مثل قوله تعالى في وعظه لحبيبه في تعامله مع المشركين في سورة الأنعام، وهي سورة مكية بكاملها:- ((فإن شهدوا فلا تشهد معهم)).

﴿قد نبأنا الله من أخباركم﴾

هذه الأخبار التي أعلمها للمؤمنين هي في أغلبها تتحدث عن الباطن والنوايا، وهذه من نعم الله تعالى عن المؤمنين، وهي خاصية من خاصية هذا الكتاب العظيم، والذي فضل كلامه كفضل الله على خلقه، ذلك لأن أي كشف من انسان لآخر يكون في أمور الظاهر، وأما ربنا سبحانه وتعالى فهو عالم السر وأخفى، فهو يكشف للمؤمنين ما يخفى أعداؤهم في بواطنهم، وما يسرون في قلوبهم لأنه كما قال عن نفسه ((يعلم ما تسرون وما تعلنون)) وقال:- ((يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون))، وبهذا فإن من خصائص هذه الصبغة الإلهية أنها تعالج النفوس البشرية، فتعالجها وتقومها بالأمر والعظات، وتفضح خصوم الحق ونواياهم، والإعراض عن هذه الهداية الربانية سبب من أسباب ضعف الإيمان، وسبب من أسباب السقوط في فخاخ الكافرين، فإن تعليق عدم اتباع الكافرين وأذنابهم المنافقين للحق الذي عليه أهل الإسلام على عدم الأسباب النفسية من انحطاطها وخبثها

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٥٦