تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صدق المؤمنون كلام الله فازوا وبلغوا مرادهم، وإن خدعوا فيصح قول المثل فيهم ((كم في جهنم من أصحاب النوايا الطيبة)).

النفاق عماده الجبن والبخل، وهما صفتان تقدحان في مروءة الإنسان، وأول ما تسقطان في داخل المرء احترامه لنفسه، فهو لا يأنف من السفالات، ولا تثيره اهانات الناس له، بله نظراتهم أو أقوالهم، فمثل هؤلاء يتقنون فن "الإعتذار"، وهم يخلطونه بالذل من الأقوال والأعمال، فسيبكون، وسيلقون بهاماتهم على أرجل الناس يستعطفونهم، وسيضربون على هذا الوتر في قلوب المؤمنين (أعني صفة الرحمة والرأفة)، لأنهم يعلمون أن العفو عندهم مقدم على غيره، وليتذكر المؤمنون أن ما كان لهم فلهم فيه العفو والإحسان، وما كان لله فليس لهم إلا الإستجابة لقوله تعالى ((ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)).

﴿لا تعتذروا﴾

هذه تقطع على المؤمنين مجرد الاستماع لأعذارهم، فلا اصغاء، ولا محاورة بزعم الرد على أعذارهم وتمحلاتهم، لأن مجرد الإستماع هو سقوط في الفخ، ويزيد التورط إن انشغل المؤمنون بالرد وتفنيد أعذارهم، بل عليهم نبذهم وعزلهم، وهذا الأمر (أي عدم الاستماع لهم وعدم الانشغال بالرد عليهم) أدعى بأن لا تنطلي حيلهم على الضعفاء من المسلمين، إذ يوجد من قال الله فيهم من المؤمنين ((وفيكم سماعون لهم))، والحيل النفسية تعرف عند أهلها بأنها لا تنتهي، فإن فنّدت واحدة جاء بأخرى، وهكذا يقضي الوقت فيما لا طائل تحته سوى السقوط في ألاعيبهم، ولذلك يقال لهم ((لا تعتذروا))

ومما ينبغي الانتباه له أن هذه القواعد إنما تعمل في عزة الإسلام وقوته، وبعد بلوغ طائفة الإيمان مراتبها العليا في التمكين والظفر، كذلك ينبغي التذكير أنّه مع وجود المنافقين زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه نقّب على واحد خفاياه بل كانت أعمال الإيمان العظمى التي يحياها المجتمع المؤمن هي التي تكشفهم وتظهر حقائقهم، ولذلك على المؤمنين أن يعملوا ويعملوا، ولا يقفون على هذا وهذا ليعلقوا عليه لافتة، بل من خلال ابتلاء الإيمان يعرفون المنافقين، ومن خلال بنائهم ومسيرتهم تنكشف معادن الناس، وهذا أعظم في البيان، وأوضح في تجلية هذا النوع الخبيث المريض، وبذلك لا يسمح لهم بخداع الآخرين، فإنه وإن انطلت حيلهم في واحدة، فستأتي أخرى، وأخرى حتى تقطع أعذارهم في نفوس من يعذرهم الضعفاء، وخلال هذه الرحلة من أعمال الإيمان العظى يتمايز الناس وتصل مراتب المنافقين إلى قوله تعالى ((لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً))، فتأمل قوله ((لا يجاورونك فيها إلا قليلاً)) لتعلم أن هؤلاء سيهرون خلال المسرة إلى صفوف أحبابهم كما قال تعالى ((فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم))، فهم ابتداءً يسارعون فيهم بالتجسس على المؤمنين، وبإقامة الصلات معهم، وبالنصح لهم ضد المؤمنين، وسيصلون في وقت أن ينقلبوا إليهم بأبدانهم فلا يعذر المؤمنون في قتلهم كما يقاتلون أسيادهم، لكن كل هذا لا يكون إلا في مراحل متأخرة من مسيرة الجهاد ضد الكافرين.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٥٥