تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مما يؤسف له أن المسلمين قد انقلبت عليهم الصورة، فهم يرفعون درجة الخطاب، ويملؤون كلماتهم ناراً، وكأن وراءها إرادات مستعدة أن تخوض أعتى المعارك، فيشحن القادة أتباعهم شحناً متواصلاً، فترتفع درجة الغليان بينهم وبين خصومهم، فيذهب هؤلاء الخصوم إلى أقصى درجات الحرب، فيعلنون النفير، فيضربون ضرباتهم القوية، وما أن يكون هذا حتى يبدأ خطاب قادة هذه الحركات بالتهدئة، فتلين كلماتهم، وتزول عنها حدة المواجهة والاستفزاز، فتنقشع الأحداث عن آلام وسجون وعذاب بلا مواجهة سوى ما كان من تصعيد الكلمات فقط، وأما في الإرادات والأفعال فلا شيء، بل هو شيء واحد هو الاستسلام فقط، وهذه سنة تسلكها هذه الجماعات منذ عشرات السنين، وتتكرر التجربة بلا تخلف، وهذا كله من الجهل في إدارة الحياة، أو هو الغباء في معرفة حقائقها، لأن طريقة المهتدين هي عكس ذلك تمام، أي إن طريقهم هي بين في الخطاب، وشدة في المواجهة، ومن خالف السنن عليه أن يدفع الثمن.

ومع هذه الصورة تجد أن الله يقدر للمسلمين التقدم نحو أهدافهم، فتقع لهم الفرص القدرية الملائمة للتمكين والغلبة، ثم تجد هؤلاء بمجرد جلوس شيطان من شياطين الإنس معهم، فيبتسم في وجوههم، وقد تدمع عينه تأثراً من كلمات الدين والحق، ويزيد شيئاً على هذا من الإيمان أنه ((لئن كشفت عنا الرجز لنرسلن معك بني اسرائيل))، فيخرج هؤلاء السذج الجهلة وهم يحلمون الأحلام أن مقاصد الإسلام قد تحققت بوعود هذا الشيطان الرجيم، وينسون ما دعا سليمان عليه السلام بلقيس في رسالته حين قال لها ولقومها:" ألا تعلو عليّ وأتوني مسلمين"، فإن منطق الحرب والقتال بين المتصارعين إن بلغ أحدهما قوة لإزالة الآخر أن يزيله تماماً ويجعله تابعاً له ((ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين))، فأمرهم أن يخضعوا له، ويسيروا إليه مسلمين مستسلمين، أما أن يبقى هذا الطاغوت الذي استمرأ الكفر سنين طويلة، وبلغ جهده في حرب الإسلام والمسلمين، ثمّ إن ضعف أمام المسلمين طلب منهم الصفح، وقدم الوعود أن سيكون ولياً من أولياء الله، فهذا لا يكون أبداً، ولا هو من سنن الحياة، ولذلك ما أن يعود هذا لقوته حتى يجعل أول ما يفعله هو فناء هؤلاء ودمارهم.

هذه القاعدة القرآنية ((لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم)) هي من قواعد الحياة في التعامل مع المنافقين وأسيادهم، وهي من قواعد الإيمان التي يجب على المسلمين اتباعها ليتحقق لهم الفوز والسعادة والظفر في هذه الحياة، ولتفعيل هذه القاعدة لجيل من الأجيال المؤمنة مع واقعهم يكون في بداية الطريق، وذلك من أول المسيرة، فهذه هي هداية القرآن فهو القائل ((ورضيتم بالقعود أول مرة))، ((ولقد ابتغوا الفتنة من قبل))، فالمؤمن لا يلدغ من حجر واحد مرتين، فبداية الطريق تكشف مراتب الناس وحقائقهم، وسنن التكوين لا تحابي أحداً، ومن وقف أمامها غلبته كائناً من كان.

سيحلفون أيماناً وراء أيمان، ويعتذرون بكلمات كقاموس البحر رقة وذكاءً وليونة، وسيكون هناك اختبار للمؤمنين، وسيدخل مع هذا عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية، كما دخل في أمر عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة قينقاع وجلائهم، فقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهبهم له لما كان بينه وبينهم من الحلف القديم، فلم يمدح فعله، ومدح فعل سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه لما حكم على بني قريظة بحكمه العدل فمدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات)) فإن

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٥٤