تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذا الامتحان، فما أن نسمع كلمة حسنة جميلة، أو نرى بسمة ظاهرة صفراء حتى ننسى، ويذهب ما في نفوسنا من وقائع كانت قبل قليل، ومن تاريخ منتظم لا تتخلف صفتهم فيه، فنكوى مرة بعد مرة، ونخدع مرات بعدد ما يريدون هم منا، فلم يعد الأمر فينا أمر طيبة وحسن نية ولكن غباء وغفلة وسذاجة تضحك الثكلى.

لقد تكررت كلمة المكر في القرآن تصف فعل الكافرين، وهي صفة أذنابهم من المنافقين، وإني أشد أن هذه لعبة لا يقدر عليها منهم إلا الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى عنهم:- ((وقد مكروا مكرهم، وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال))، ومن عجائب ما قال الله عنهم كاشفاً مكرهم وخداعهم: ((ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين))، فها هم الكافرون يموتون ويعذبون في قبورهم، ويسألون فيها عن ربهم ودينهم وعن رسول رب العالمين، ثم يقومون من قبورهم، فيرون النار والعذاب، فيقولون كلماتهم هذه ((ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين))، فهل يصدق الله قولهم أم يكذبه؟!

إنه يكذبهم ويقول عالم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى ((بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون)) أي إن هؤلاء الكفرة كانوا يعلمون صدق خبر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله، فلم يقع لهم إلا ما كانوا يعلمون، ولو عادوا إلى الدنيا بعد كل هذا لما كان منهم إلا العودة إلى الكفر والجحود والتكذيب.

فهذا هو لكرههم وخداعهم، فلا تأمن لهم ما استطعت، ولا تغرك الكلمات ولا البسمات ولا دموع التماسيح، فكل ذلك يفعلونه إن أرادوا منك بعض الأمر، أو يكون لك الغلبة، أما إن وقعت بين أيديهم، أو صرت ضعيفاً فحينها ستعلم صدق هذه الآيات عياناً في بدنك ونفسك وأهلك.

إن قارئ تاريخ الصحابة رضي الله عنهم ليعجب من حكمتهم في الدعوة، ويعجب أكثر من لين قلوبهم في ما بينهم، ولينها أكثر في الطاعات والعبادات، فهم البكاؤون وأهل التأوه في الأسحار، والرقة على الضعيف والمسكين والفقير، ثم ما أن تقلب الصفحة لتراهم في القتال وفي تعاملهم مع أعداء الله تعالى حتى لترى واقع قوله تعالى وهو يأمر رسوله الرؤوف الرحيم ((فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون)) فالله يأمر رسوله أن يضربهم ضرب من يرعب الناظر، ويخيف المراقب، حتى ينخلع قلبه فيشرد ويهرب عن المواجهة بعد ذلك.

هذه الوصية الربانية بعدم اعذار المجرمين هي قانون الحياة، وهي تأتي بعد قوله تعالى عن المؤمنين ((ما على المحسنين من سبيل))، فالمؤمن يخطئ فيعّذر للحق الذي في قلبه، ولغلبة صفة الخير عليه، أما هؤلاء المجرمون فلا ترقب منهم الخير، بل عليك أن تكون أشد حذراً وهو يبتسم، لأنه حينئذ يكون قد تجمع فيه السمّ وينتظر الإنقضاض، ويتربص بك الفرصة والدائرة لترى منه عجائب الشر، وإنك إن أخطأت هذه الوصية فلا تلومن إلا نفسك، وحينها لن تجد مجال للمراجعة، لأن ضربة هؤلاء المجرمين ستكون القاضية ((ولات حين مناص))، وإياك أن تقول: لنجربهم هذه المرة، أو تقول قد تغيروا، أو قد انقلبت الأفاعي والذئاب إلى حملان، فإنك إن فعلت فإن مكانك هو القبور لا منصات القيادة.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٥٣