فيه للإعتذار، أما وقد عادت جموع المؤمنين مع الحبيب المصطفى من تبوك بالرحمة والبركات وحصول الآيات فإن ما سيفعله المنافقون هو موقف الاعتذار.
هذا الاعتذار ليس اعترافاً بالتقصير، وليس اقراراً بالذنب والندم عليه، بل هو اعتذار بأن لم يكن لهم الوسع بالخروج، فيأتون بالأكاذيب لتبرير تخلفهم وقعودهم، وما هي من الحقائق في شيء، بل هي التمحلات والمخترعات من الأقوال التي تصنعها أمراضهم، وقد علم من التاريخ ومن الدراسات الجادة أن هذا النوع من الخلق، أي مرضى القلوب بالجبن والبخل، هم أقدر الناس على الاختراع، وهو صنف يتميز بالخيال الواسع في صنع الأكاذيب، ولكثرة ممارستهم الأكاذيب فإنها تصبح صناعة متقنة يعجب السامع منها، وأنت ترى الطفل عندما يكذب تعلم من تردده وقسمات وجهه وتخبطه أنه لا يحدث الحقيقة، ولكن هؤلاء المرضى تراهم يتحدثون الأكاذيب وكأنهم يقرؤون من كتاب مفتوح، وكأن الحدث الذي يسوقون خبره قد وقع لتوه، فهم يخبرون عنه حقيقة، فلا تلعثم، ولا تردد، ولذلك من أحاديث الحبيب المصطفى قوله ((ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً))، لأنه حينئذ يصبح اختلاق الأخبار عنده صفة لازمة لا يقدر عنها فكاكاً، فمرآة نفسه عند نفسه قد قبلت واسودت، أو تقعرت أو احدودبت، فهو لا يسمع كما يسمع الناس، ولا يرى كما يرى الناس، بل يسمع ما يتخيل، ويرى ما يتخيل، ويشهد لهذا حديث المصطفى ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) فإن أمثال هؤلاء يزورون على أنفسهم أولاً قبل الناس، ولأثر الكذب على قلب فاعله فإنه يرتد على إيمانه أكثر من غيره من المعاصي، ولهذا قال الحبيب المصطفى:- ((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب)).
هؤلاء المنافقون مرضى، ويتقنون فن الإعتذار والتمحلات، ولهم ألسنة أحلى من العسل، ولذلك علّم الله المؤمنين طريقة التعامل معهم وذلك في قوله ((لا تعتذروا لن نؤمن لكم، قد نبأنا الله من أخباركم))، فكلماتكم الجميلة، وحججكم المسوقة، وأعذاركم المبذولة لن نردها إلا بكلمة واحدة:- ((قد نبأنا الله من أخباركم)) وهذا يعني أنها لولا خبر القرآن الرحيم لانطلقت كلماتهم على المؤمنين، لما تقدم من اتقان المرضى بالجبن فن التبرير والكذب، ولأيمانهم التي يحلفونها أمام المؤمنين الذين لا يتصورون أن يقسم المرء برب العزة والجلال كذباً وزوراً كما قال الله عن مؤمني الجن ((وأننا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً))، وكما قال تعالى عن المؤمنين في صدمتهم من المنافقين:- ((ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسمتم بالله جهد أيمانكم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين))، ولمعاني الخير في قلوب المؤمنين أن ناساً يعيشون بينهم ويرون بركت النبوة وعظمة الإسلام ونصر الله له ثم يجلسون قاعدين متخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل يمكن لمن تقدم وصفهم الإيماني بالبكاء حزناً ألا يجدوا ما ينفقون يتصورون خبث طوايا هؤلاء المنافقين؟
كل هذه تجعل المؤمنين يصغون إلى المنافقين، فيعذرونهم، ويسامحونهم، ولذلك أمر الله المؤمنين بأن يردوهم بكلمة واحدة:- ((لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم)).
وقد كشف القرآن قلوب الكافرين، وقلوب المنافقين، وعراها، وعلم المؤمنين أحوالها، وحذّرهم من الإنخداع بظواهرهم سواء كانت هذه الظواهر من الكلمات أو البسمات أو المسايرة، ثم قال بعد ذلك:- ((وما تخفي صدورهم أكبر))، هذا إن ظهر منهم الكيد والكذب والخداع، وكشروا عن أنياب الحقد والغيظ والبغض والكراهية ثم فوق ذلك يقول العليم الخبير بهم ((وما تخفي صدورهم أكبر))، ومع ذلك كثيراً ما نسقط جميعاً