إن هذه الآية إرشاد رباني لأهل الأعذار أن لا يفرحوا إن سقط عنهم التكليف لعدم الوسع، بل عليهم إن أرادوا عظيم الأجر، وإن أحبوا مشاركة العاملين في حسناتهم أن تكون في قلوبهم الأماني أن لو قدروا على العمل فعملوا عمل الصالحين القادرين، أما هؤلاء الذين يفرحون بسقوط التكليف لعدم الوسع فهم محرومون من أجر العاملين، أما الذين يبحثون عن الأعذار الواهية لسقوط التكليف فهم أهل الحيل التي دمر الله بسببها أسلافهم من اليهود من أهل القرية التي احتالت على الصيد يوم السبت.
ثمَّ إن فيها الإرشاد أن يسعى العاجزون لرد العجز، وأن يبذلوا وسعهم في نقضه إلى بديله من الوسع والقدرة، فإن هؤلاء ذهبوا وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم، لأن في هذا دليل الصدق، وفيه تمام الإعذار إلى الله تعالى.
﴿إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون﴾
لقد تقدم من أعذرهم الله تعالى، فليس عليهم سبيل بعقوبة أو ملامة، بل هم معذورون، فإن نصحوا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم كانوا أهل احسان، أما غيرهم من الأغنياء- وهم أولوا الطول كما تقدم- فهؤلاء عليهم الملامة، ولهم العقوبة لما رضوا بأن يكونوا خوالف عن النفير مع المجاهدين.
نظير هذه الآية قد سبق في قوله تعالى ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون))، وفي هذه الآية ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون)).
هكذا يأتي التصريح في هذه الآية أن الله عز وجل هو الذي طبع على قلوبهم بالنفاق، وفي ذلك مزيد اذلال لهم، ومزيد عقوبة لهم، فإن ذكر اسم الله العظيم في فعل هذه العقوبة لتجعل هذا الأمر أشد وأشق وأنكى، ولذلك كان في الآية السابقة قوله تعالى ((فهم لا يفقهون))، والفقه شدة الفهم، ولكن لما ذكر اسم الله تعالى هنا زادت العقوبة فقال: ((فهم لا يعلمون))، فهم ليسوا محرومين من الفقه، بل هم محرومون بهذا الطبع من العلم.
وسبب هذا التشديد في هذه الآية أن استئذان ((أولي الطول)) كان عند نزول الأمر بالجهاد مع الإيمان، فكان استئذانهم بأن لا يشملهم الأمر الإلهي بالجهاد، أما هؤلاء ((الأغنياء)) فإن استئذانهم كان في حصول طلب النفير، وموقع هذا الاستئذان أشد سوءاً من استئذان الأوائل، فاستحقوا عقوبة أشد، ففي الأولى حرموا الفقه، وفي الثانية حصل لهم الإثم وحرموا من العلم.
﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم، وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾
هنا لابدّ من املاء، يترك القرآن فعله لقارئه، فيجريه على سنن التاريخ في الأخبار كما تقدم مثال ذلك في بيان هذا الأسلوب القرآني، وقد ضربت مثلاً بقصة صاحب يس فليرجع إليه، وهنا فإن الإعتذار لا يكون إلا بهذه العودة الميمونة المباركة بالنصر والظفر، ولو كانت العودة كما كانت في أحد لما كان لهم قول آخر لا ذكر