أشهد أن هذه كلمات رب رحيم، وأشهد أن هذا القرآن هو كلام رب العالمين، وأشهد مواقف الإيمان حتى في اختفائها هي التاريخ الذي يستحق الكتابة والاعتناء.
هذه آية لا أقف عندها إلا وأحس بقشعريرة في جلدي، وبتشكل دمعة تترقرق في عيني، وحين أفكر في سبب هذا أجد أموراً تتنازع، فهي معاني كثيرة لا معنى واحداً، إذ أجد عارضاً من صورة رجال لا يملكون على أبدانهم إلا ثوباً واحداً، يدخلون على حضرة النور رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه رحال السّفر، لأنّ في قلوبهم شوق الرغبة بالصحبة لحبيبهم، ودافع الأجر ببلوغ الجنان، لكن قصّرت بهم ظروفهم، فجاؤوا يستعينون على هذا الحب بدابة تحملهم، فينظر إليهم الحبيب نظر المشفق، ويقلب فيهم بصره، فيعجب لهم حباً، ويعجب من غيرهم الذين كانوا في مجلسه قبلاً وهم أولوا الطول يستأذنونه بالقعود، فيرد عليهم بحب:-" لا أجد ما أحملكم عليه"، فتطأطئ رؤوسهم إلى الأرض، وتجيش قلوبهم بالحزن، وتغشاهم آلام كالسحب، فتفر الدمعات من عيونهم، إذ ستغيب عنهم صورة الحبيب المصطفى، وستفوتهم مراتب المجاهدين والشهداء.
ما أقسى ما يلاقيه الجهاد! وما كبد قدره الذي أراده الله له! أولوا الطول يتركونه مع سعتهم، والفقراء يحبونه ولا يجدون وسعهم للحاق به، وكما الحال قديماً هو الحال اليوم فهذا قدر الجهاد.
ثمّ أعجب وأطرب من أن لا يذهب هذا المشهد خفياً في التاريخ، بل تأتي كلمات الله، وكفى مدحاً للكلمات أن تكون هذه الكلمات هي كلمات رب العالمين لتسجل هذا المشهد نوراً يتلى إلى يوم القيامة، ليعلم المؤمنون بهذا الكتاب أن التاريخ الحقيقي الذي يستحق أن يكتب هو تاريخ الإيمان، وأن الرجال الذين يستحقون كتابة مواقفهم إنما هم رجال الإيمان، فقراء كانوا أم غير فقراء، ذلك لأن دمعات هؤلاء الفقراء غالية ثقيلة في ميزان رب العالمين، وحزنهم أن يفوتهم الخير أعظم من أعمال وأموال المترفين، فهذا القرآن هو صحائف المؤمنين، وما فيه هو منهجهم في ما ينبغي أن يعرفوه ويعلموه ويقيموا له الشأن.
ثمّ أذهب مع أماني الصالحين، فهم يريدون الوسع في المال لا للترف، ولكن لينفقوه في سبيل الله تعالى، وحين يقع الحزن في قلوبهم إنما يكون لقلة الوسع لأن يسلطوا عليه هلكته في الحق، فهذا حزنهم الذي يعتريهم، بأنهم لا يجدون ما ينفقون. فهذه أماني الحق، وهي تلحق أصحابها بمن يعمل، لأن الأعمال بالنية، وإن المرء ليدرك بحسن نيته إن قصّرت به قدرته ما يدركه العاملون أنفسهم كما جاءت بذلك النصوص الشرعية المباركة، وهذه أماني الحق لا أماني المنافقين الذي تقدم ذكرهم في قوله تعالى ((ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين)).
إن هؤلاء داخلون في قوله تعالى ((لا يجدون ما ينفقون))، ولكن لهذه الدمعات الإيمانية، وهذه الأحزان المحبوبة إلى الله تعالى كان لابدّ من افرادهم بالذكر في آية قرآنية تتلى إلى يوم القيامة.
هم قلة لا يزيدون عن سبعة رجال، لكنهم عدد كثير في ميزان هذا الدين، وفي ميزان القيامة، وفي آيات الله العظيمة، ولذلك أفردوا بالذكر تخليداً لعمل الإيمان القلبي الذي فعلوه، حيث أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقعدوا، وطلبوا منه أن يحملهم لا أن يأذن لهم بالتخلف، ولم يخرجوا من عنده فرحين أن التكليف سقط عنهم لقلة الوسع بل خرجوا وأعينهم تفيض من الدمع، يا الله ما أجمل هذا اللفظ ((تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون)).