تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستفاد من هذه القاعدة الرد على من منع الجهاد لتحقيق بعض المقاصد الشرعية دون ادراكها كلها، فإن هؤلاء منعوا أن يلتحق المسلمون إلى مواطن جهاد كان فيها الدفع عن المسلمين، ورد الصائل، ولم يكن فيها الوسع أن تقام لهم دولة، ولا أن يتحقق فيها التمكين الذي ينشدونه، فغلط البعض بأن منع هذا الجهاد، وهذا خطأ جسيم عظيم، فإن الجهاد اليوم له مقصد أعظم وهو إعادة الحكم الإسلامي، والتمكين للإسلام وأهله، ولكن قد يقع جهاد يحقق مقاصد أخرى من دفع الظلم عن المسلمين، أو رعاية حرماتهم، أو دفع الصائلين عليهم، فهذا جهاد واجب لمن قدر عليه كذلك، ويشهد لهذا فعل موسى عليه السلام في قوله تعالى ((ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان، هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه))، فإن موسى عليه السلام استجاب لنداء المظلوم في رد الظلم عنه، وفي السنة ما يشهد لهذا، ذكرته في غير هذا الموطن.

﴿والله غفور رحيم﴾

هذه الفاصلة القرآنية في بيان صفتين من صفات ربنا سبحانه وتعالى، فيهما بيان ما يغلب من صفات الله تعالى على غيرها، فإن الرحمة تغلب الغضب، والمغفرة تسبق العذاب، وها هنا في هذا الموطن ليس فيهما من معاني اسقاط الذنب عن مقترفه، بل لبيان رحمة الله ومغفرته في اسقاط المؤاخذة عن الضعفاء والمرضى وأهل العجز المادي، فإن رفع التكليف عنهم هو من قبيل الرحمة بهم والمغفرة التي تسبق فعل المعصية، وقد تقدم بيان هذا، فلو شاء الله لكلف هؤلاء كما قال تعالى عن صرف مقاتلة بعض المنافقين للمسلمين في سورة النساء ((ولو شاء الله لسلطهم عليكم))، وقد كلف الله بني اسرائيل تكاليف من قبيل العقوبة لهم كما قال تعالى في سورة الأنعام ((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون))، وهذا كما يكون في الأمر الشرعي كذلك هو في الأمر القدري، فإن الابتلاء يكون للعصاة بسبب فسقهم كما قال تعالى في سورة الأعراف في سبب ابتلاء القرية بالحوت يوم السبت:- ((كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون))، وأما للمؤمنين فهو ابتلاء الرفعة والرحمة كما قال تعالى في سورة محمد عن سبب تكليف المؤمنين بالجهاد ((فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم)) وقال عن امتحان المحرم بوفرة الصيد بين يديه ((يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب))، وهذا كله من قبيل الرحمة بهذه الأمة كما قال تعالى عن سيد المرسلين وأمته ((الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم)).

﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون﴾

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٤٩