تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمة، ويكون جيشه لمحاربة المسلمين والعاملين لدين الله تعالى، ويكون همه منع تطبيق الشريعة وأحكام الله تعالى ثم يأتي قائل ليقول إن هذا الحاكم الذي منع أهل العلم الخروج عليه ومقاتلته فهؤلاء جهلة في الدين وجهلة بقانون الحياة. ثم إن قول أهل العلم إن الحاكم هو وكيل الأمة في إقامة حقوقها وحقوق الله لا يعني أنها بعد ذلك تفرغ لأهوائها وشهواتها، بل الواجب هي أن تتولى هذه الأعمال بقيادة هذا الحاكم، فهو يعلن الجهاد، لكنهم هم يجاهدون، وهو يقضي الأحكام وهم يده التي يمضي فيها هذه الأحكام كما قال تعالى ((وليشهد عذابهما طائفة في المؤمنين))، أما أن يتخذ الحاكم الفاسدين في الأرض جنوداً، وأكفر خلق الله حماة للأمن، والمرتشين قضاة ونواباً ثم تذهب الأمة في وديان الأهواء والشهوات زاعمة أن الأمر لا يعنيها فهذا لا يجوز أن ينسب لدين الله تعالى في شيء، لأن الأمة المسلمة يجب عليها أن تراقب هؤلاء الحكام، وهذه هي دعوات الخلفاء الراشدين عندما تولوا الإمامة في خطبهم الأولى.

﴿ما على المحسنين من سبيل﴾

هذا حكم الله تعالى بأن المحسنين يجب رعايتهم وحمايتهم والدفاع عنهم من أهل الإسلام، وخاصة من أهل الشأن فيهم، وهي دليل أن الإحسان يكون بقدر الوسع والطاقة، فإن هؤلاء الضعفاء والمرضى والعجزة إذا نصحوا لله ولرسوله بما يستطيعون كانوا من المحسنين، فلا لوم عليهم في عجزهم وضعفهم.

وقاعدة رفع الحرج عن المتقين والمحسنين قاعدة قرآنية إذا قدّموا جهدهم وطاقتهم ثم لم يحصل لهم الوسع في أداء الفعل كاملاً كما قال تعالى ((وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء، ولكن ذكرى لعلهم يتقون)) وهذه الآية من سورة الأنعام قالها تعالى بعد قوله ((وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين))، فإن المرء إن ترك مجالسة الظالمين فقد برئ من عهدتهم وإثمهم، وبهذا لا يستطيع أن يغير منكرهم، وبهذا لا يكون آثماً بسبب تقواه في أداء وسعه، وكقوله تعالى في سورة المائدة:- ((ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين)).

وهذه القاعدة القرآنية العظيمة تفيد أن المرء لا يؤاخذ إلا بما يستطيع، وهو معذور بما لا يستطيعه، فلا تكليف فوق الطاقة، وتفيد أن المقدور لا يسقط بالمعذور، فإنه يجب عليك مقدار ما تستطيع، فإن عجزت عن شيء وقدرت على آخر، أو عجزت عن أداء بعض الشيء دون بعضه الآخر فيجب عليك أداء ما تستطيع، وتفيد أن الأثر المادي ليس هو مقصود كل الأمر الشرعي، بل إن الأمر القلبي والأثر الإيماني والغيبي مقصود أول في الشرع، فإن تغيير المنكر بالقلب لا يغير المنكر مادياً في الغير، لكنه يمنع حصول المنكر في القلب (أي في قلب الناظر)، ويمنع الاثم ويحقق الإيمان والإعذار إلى الله تعالى، وهذه مطالب شرعية عظيمة، والله تعالى يحبها ويريدها، فمن قيّد شرعية عمل على أثره المادي فقط فهو غالط، لأن أمر القلب والغيب مقصود للشارع، وهذا يثبت جهل من منع الجهاد بحجة عدم وسع أهله اليوم أن يقيموا دولة الإسلام، فطلب منهم لجهله أن يتركوه، ولم يفهم هذا معنى أن ينظر المجاهد إلى عين الله تعالى، وإلى مراقبة الله تعالى له أن يقوم في مقامات الطاعة التي ترضيه سبحانه وتعالى، وإلى أن المقصود الأجر والشهادة، فإن وعود القرآن للمجاهدين في هذا أعظم من وعود الغلبة والتمكين.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٤٨