تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمة وأولي الأمر، ولذلك قال بعض السلف:- لقد أخذ الله من أولي الأمر ما أعطاهم في أول الآية في آخرها، فحين يذهب أولي الأمر إلى معصية أو تقصير فيجب رد الأمر إلى الله والرسول ونزع الطاعة منهم في ذلك، فإن حصل نزاع على غير مأمور من جهة الشرف فحينها يعمل بقوله تعالى ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلو التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)) ولذلك ففي القرآن قد يكون الباغي هو الحاكم لا المحكوم لوقوع الوصف عليه وذلك بأن يرد ما اصطلح عليه بينه وبين المسلمين الذين خالفوه، ولذلك قالت أمنا عائشة رضي الله عنها:- إن المسلمين لم يعملوا هذه الآية.

فالقصد أن المرء يجب وسعه، وحيث أدرك الحق يجب أداءه وسعه، أما الدعوة إلى تحذير الأمة، وقذف الجهل فيها، والخور في أوصالها، وإيكال أمورها إلى واحد من البشر، ثم يقولون: إن أخطأ فعليه وزره، وإن أصاب فللأمة أجره، وهو في كل يوم لا يأتي إلا بشر، فهذا لا تقوله الأديان الباطلة، فكيف يقوله الإسلام الحق الذي يدعو أهله أن يستشهدوا في سبيل كلمة الحق، بل أعظم الشهداء هو من قام الحاكم فأمره ونهاه فقتله.

وأما ما يقوله العلماء من أن آحاد الأمة لا يجوز لهم إقامة الحدود وإعلان الجهاد، فإن فعل أحدهم ذلك فللحاكم أن يعاقبه لافتئاته عليه، فهو قول صحيح، ولكن الجهال يفهمونه على غير فهمه، فإن وصف هذا الحُكْم هو أن من رأى منكراً من آحاد المسلمين يجب عليه تغييره بيده أو بلسانه أو بقلبه، وقوله بقلبه هو أضعف إيمانه، وأما العقوبة فهي ليست له، بل يجب رفعها لمن وكلته الأمة بهذا الفعل، لأن هذا حق الله تعالى، فإذا هو حق الأمة جميعها، والذي يقوم به هو وكيلها، فإن عاقب الواحد من المسلمين فهو بمنزلة أن يعاقب المرء ابن جاره على غلط هو حق للأب لا للجار، فحينها للأب أن يطلب بحقه من هذا المتعدي على حقه، وهو الذي يقال له:- افتأت عليه، فإن للأب ولاية على ابنه وزوجته، كما للسيد ولاية على مولاه، وليس لكل أحد أن يعاقب هذا الابن أو هذا المولى، لكن إن خان هذا الوكيل هذه الوكالة أو قصر فيها فإنها تعود للأصيل، فإن قام بها آحاد الأمة فلا يكون مفتئتاً، لأن الافتئات اشغال لأمر فيه أهله، وهذا الأمر قد خلا بفساد الوكيل أو عجزه أو تقصيره، وهذا هو واقع الأمة في كثير من أوقاتها، فإن الخلافة صارت بعد ذلك أمراً صورياً، عجز فيها الخليفة فقام من قدر على الطاعة غيرهم، فالواجب هو أن توكل الأمة من يقوم بحقوقها وحقوق الله تعالى العامة، فإن قصّرت الأمة في ذلك جاز لبعضها أن يقوم بهذا، وهو مأجور مثاب، وهذا واقع جماعات الجهاد، فإن الأمة لم يعد يعنيها أمر الدين، ولا حقوق الله، وأما الحكام فقد صاروا أعداء الدين، فشرعوا أديان باطلة، وأفسدوا دينها ودنياها وصار أمرهم كما قال تعالى ((الذين كفروا زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون))،فصاروا هم مستحقين للقتال، وصار حالهم في المال كحال السفيه الذي يجب الحجر عليه، ولذلك يجب قيام طائفة مهتدية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجاهد في سبيل الله تعالى، وتصلح ما فسد في الأمة، وهذا هو الشرع، بل هو مقتضى العقل لو كان الناس يفهمون، أما أن يتحول الدين إلى مخدّر للشعوب، وتتخذ آيات الله وأحاديث النبي وسيلة للفساد والسكوت عن الفساد فهذا يجعل الجهلة يشكون بصحة الإسلام نفسه، وهو ما وقع فيه الكثير من الزنادقة والملحدون.

أما الاحتجاج بكلام أهل العلم بأن مفسدة الخروج على الحاكم أعظم من اقراره، فهذا فهمه من خلال تاريخ هذه الأمة حيث كان الحاكم يقيم أمر الله تعالى، ويطبق القضاة الشرع، ويجاهد الأمراء في سبيل الله تعالى، وخلال هذه المسيرة البشرية يقع بعض المفاسد أو التقصير، وقد يقع في نفوس البعض الرغبة النفسية بالحكم، للإستفادة من ميزاته، فيخرج هؤلاء على الحاكم، فمثل هذا الخروج يجب منعه والتحذير منه، أما أن يصبح الحاكم هو أساس الفساد، وهو نفسه عدو

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٤٧