لقد قعد الناس عن الجهاد هروباً من البلاء، فجاءهم البلاء والعذاب، وهذا حال كل البلاد، والأمر مازال سائراً، والسنة ما زالت تعمل، فهي تضم البلاد، وليتهم يتوبون بل هو كما قال تعالى في بقية الآية:- ((أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون)).
إن الذين يتساءلون عن سبب ذلة الأمة وهوانها في هذا الزمن عليهم أن يستحوا من الله تعالى، وإن الذين يقلبون عيونهم في السماء في انتظار الفرج دون أن تعود الأمة للقرآن وحياة القرآن هم قوم يستحقون التقريع والتأديب، وأما الذين يكثرون التنظير، ويتقعرون ويتشدقون في تلك العناوين التي يرفعونها في قولهم:- كيف نحيي الأمة، وكيف نرفع عنها الذلة، وكيف نصلحها، دون أن يعيدوا الأمة إلى دينها وهو الجهاد في سبيل الله فهم أكثر من يستحق التقريع والتأديب، أما أن دين الأمة التي يرفع الذلة هو الجهاد فهذا في قوله صلى الله عليه وسلم:- ((إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه إلا أن تعودوا لدينكم)) وبين من الحديث أن دين الله تعالى الذي يرفع الذلة هو الجهاد لا غير، فإن سبب الذلة هو تركه، وسبب رفع الذلة هو العودة إليه.
لقد صارت الأمة في أغلبها مرضى وضعفاء وعجزة لما تركوا الجهاد، والأحباء هم المجاهدون، وهم الأقوياء، وقد جاء في الحديث أن رجلاً أكل بشماله على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بيمينك" فقال:- لا أستطيع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا استطعت ما منعه إلا الكبر" فما رفعها إلى فيه، أي أنها شلّت بترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبراً، وهكذا فإن الأمة التي تترك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم غروراً بأفكارها، وفرحاً بمناهجها الباطلة هي أمة مشلولة، ولن تصل إلى أهدافها، بل هي ستتآكل وتنقضي وتنقرض، ولولا أهل الجهاد والباذلون نفوسهم لله تعالى دون خوف من سلطان أو متجبر لهلكت الأرض كما قال تعالى ((فلولا كان من القرون أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)).
﴿إذا نصحوا لله ولرسوله﴾
إن الذي لا يقوى ببدنه في الجهاد فإن له قوة أخرى يجب أن يعملها لدين الله تعالى، وهي النصح لله وللرسول وللمؤمنين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال:" لله ولرسوله وللمؤمنين"، وهذا يدل على أن هذه الأمة لا يوجد فيها أحد غير فاعل وعامل، بل هي أمة العمل، وأما غير العامل فهو الجنون الذي لا عقل له، ولذلك فأمة الإسلام أمة حية، لا يوجد فيها له دور بحسب وسعه وطاقته.
هذه هي الأمة التي يصوغها القرآن ويصبغها بصبغته، فهي أمة حية في عقلها وقلبها وإرادتها، وكلها مسؤول مكلف، فلا يخلو أحد منهم من تكليف وواجب، ولذلك قال تعالى:)) كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته))، ومن مذاهب الباطل وأقوال الضلال أن الأمة غير مكلفة بالجهاد والحدود، وإنما هي تكاليف للحكام دون بقية الناس، وهذا من الكذب الصريح على دين الله تعالى، فإن هؤلاء لا يعلمون أن التكليف في أصله موجه إلى الأمة، ثمّ وكلت الأمة حاكمها بإدارة هذه التكاليف، فإن قصّر الحاكم فيها أو خانها فإنها تعود هذه التكاليف على الأمة، وهي لا تسقط أبداً بتقصير الحاكم أو خيانته لها، ولذلك قال تعالى ((وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وللرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر))،والتنازع الذي يجب رده إلى الله والرسول عام، وأولى ما يدخل فيه هو التنازع الحاصل بين