تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أعطى الله سبحانه وتعالى لرسوله وصف من يعذرهم بعدم النفير معه في هذه الآيات، وهم الضعفاء ممن لا يقوى على الجهاد أو المسير إليه، والمرضى، وأصحاب الفاقة الذين لا يجدون الوسع أو الدابة للمسير، وفي سورة النساء جاء وصف آخر للمعذورين من المؤمنين بعدم الهجرة في قوله تعالى ((إلا المستضعفين من الرجال والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً)) ومعلوم أن الهجرة هي مقدمة الجهاد في سبيل الله تعالى، إذ لا يكون الجهاد إلا بهجرة في أغلب أحواله.

وهذا يدل على أن الجهاد هو أصل في هذه الأمة، وهو الحالة الأصلية فيها، وترك الجهاد هو الاستثناء، لا العكس كما هو الواقع، إذ لم يبق اليوم من مجاهدين إلا القلة، وعامة الأمة قاعدة، وخير من فيها للمجاهدين هو من يتابع أخبارهم، ويدعو لهم، وإلا فالأكثرون لاهون في دنياهم، لو سئلوا عن أخبار الجهاد لما علموا منها شيئاً، ولو سئل أحدهم عن الدنيا وقضاياها لوجدته العارف الخرّيت، بل إنك لتعجب ممن هو يأكل ويشرب من دين الله تعالى لا يعرف شيئاً عن أخبار المجاهدين إلا إذا قرع سمعه خبر ما، فإن وقعت له أخبارهم عرضاً لوى وجهه وأعرض وكأن الأمر لا يعنيه.

لو نظر الناظر اليوم إلى نسبة المجاهدين العاملين لدين الله تعالى في مجموع الأمة لعلم لِمَ الهوان هو عنوانها، ولمَ الذلة محيطة بها، ولم الخذلان هو شعارها، ولو سألت من تسمى باسم العلم منها ماذا يعرف عن أخبار المجاهدين لعملت لِمَ نزع الله من قلوب الأمة محبة هؤلاء، ولِمَ صاروا إلى هوان في عيون الناس، ذلك بأن ربنا على صراط مستقيم، وهو حكم عدل، فعدونا لا يوجد بينهم فرق بين الجندي والمدني، بل المجتمع كله جنود مدربون، وفي لحظات يلتحقون بأسلحتهم إن طلب منهم ذلك إن استنفروا، وأما أمة الجهاد، وخير أمة أخرجت للناس فإن فتاوى أولي الضلالة تحرم عليهم الاستعداد، وتمنعهم من اللحوق بالمجاهدين وحياتهم إلا إذا أذن لهم الطاغوت، وهذا الطاغوت لا يدرب من الخلق إلا شرار أهل البلد لأمرين اثنين فقط؛ أولاهما الاستعراض والزينة، وثانيهما لقتل الأمة ومحاربتها، فهذا تاريخ هذه الجنود لو تأملته قليلاً لوجدت لم جنود الطواغيت، فإنهم لا عمل له إلا قتل الأمة، ومحاربتها، وأما أمام أعداء الأمة فهم فئران، يفرون ما أن يقعقع لهم بالشنان.

يعذر الله تعالى أقواماً لهم صفات الضعف والمرض والعجز، فهؤلاء لا يجاهدون بالنفير، ولكنهم يجاهدون بالنصح لقوله تعالى ((إذا نصحوا لله وللرسول))،وأما حال الأمة اليوم فهم صاروا إلى حال العجزة والضعفاء والمرضى، ومثل هؤلاء لا يدفعون شراً عن الإسلام ولا عن بلادهم ولا عن أنفسهم، بل هم يؤخذون بأقل القليل، وهذا هو واقعهم، فلذلك هي أمة مشلولة، يعمل الكفر فيها عمله بلا مانع، ولا مدافع إلا من قلة قليلة من المجاهدين، ثم ليت هؤلاء المشلولين نصحوا للمجاهدين، وأخلصوا لهم القول، وقوّوا قلوبهم بحسن المقال لكان فيهم بعض الخير، بل هؤلاء جلسوا يسخرون منهم، ويثبطونهم، ويتتبعون عوراتهم، ويسمونهم بأوصاف أهل الكفر فيهم، ولذلك ترى ما قال الله بعد ذلك في هذه السورة: ((أولا ترى أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين))،فإن البلاء على هذه الأمة لم يرفع، وسيف الفتن لم تترك بلداً إلا وقطعته، وعذاب الله تعالى ينتقل من بلد إلى بلد، فكم من البلاد ظن أهلها أنهم في مأمن، وأن سرورهم دائم، وأن ما هم فيه لن يتغير، فما هي إلا نقمة ربانية آتية حتى يشرد أهلها، ويسامون سوء العذاب، ومن لم تأته فتنة صائحة حل به عذاب طواغيت يفسدون دينهم، وبناتهم، وشبابهم، فتحولت البلاد إلى مرتع كفر مقيم، يسبّ فيها الله تعالى ورسوله جهاراً نهاراً بين أظهر الناس، وإن سبّ الطاغوت أو ذكر بشر أخذ الفاعل ولم يعد.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٤٥