تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فوقوع هؤلاء في هذه المواقع هو من شر ما يصيب الإسلام والمسلمين، لأن الناس يقتدون بأئمتهم، فحين يدفع القادة أبناءهم إلى صدور المواقف والجبهات، وأخطر المهمات فإن هذا يقوي الأتباع، وإن من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، أنه أرسل إلى مؤتة أحب الناس إليه من أهله ورجاله، فهذا جعفر الذي غاب طويلاً في الحبشة ثم جاء من الهجرة إلى هجرة جديدة إلى المدينة النبوية، لم يكد يستقر حتى أرسله إلى مؤتة للشهادة، وهذا زيد بن حارثة، وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسله كذلك، فلم يكن الحبيب يدفع الناس الآخرين للنوازل والغمرات ليحفظ أهله ومن يحب ليقودوا، فيحفظهم ويرعاهم خوفاً من تعب أو شهادة، ومما يؤسف له أن هذا باب من أبواب الشر التي تقع فيه جماعات البدعة، وهو سمة من سماتهم، وأهل هذه الجماعات عندهم من الوقائع والصور كثيرة، والتي تؤكد أن الاسلام، وحركته ((كما يسمونها)) صارت وسيلة للرفعة في الدنيا دون اعتبار للدار الآخرة، وأن ((أولي الطول)) صاروا عائلة متضامنة، وشركة متآلفة، ولها مناهجها التي تحفظ لهم ولعائلاتهم وشركاتهم مكاسبهم، ولذلك هم يرفضون الجهاد.

﴿وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾

يعذر الله قوماً من الأعراب جاؤوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليأذن لهم بعدم النفير معه، وهم صادقون في عذرهم، وهذا قول جماعة من المفسرين، ويقابلهم قوم قعدوا في منازلهم، وهم أعراب حول المدينة، فلم يحضروا للنفير، لما في قلوبهم من التكذيب لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هددهم الله بالعذاب الأليم، وهذا دليل أن المعذور لا يتخذ قراره بنفسه، بل يجب عليه أن يستأذن إمامه وأهل الشأن في أمره، وهو من يعطيه الأذن بالقباء أو النفير، وهذا شأن الصحابة في أمورهم، كما حصل مع ابن أم مكتوم رضي الله عنه لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه بترك الجماعة لضره، وقال:- يا رسول الله، ليس لي قائداً يقودني إلى المسجد، فسأله أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولّى دعاه، فقال له: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال:"فأجب". ويزداد الأمر واجباً في من نفر إلى الجهاد فإنه لا يجوز له العودة عنه حتى يأذن له إمامه، أما أن يذهب ويأتي باختياره فهذا جهل وإثم، لأن أمر الجهاد أمر عامة، والأمير يرى ما لا يراه الفرد من أمر العامة، بل هو ينظر لشأنه خاصة دون الكل، وقد يُلحق هذا الفعل الضرر بالإسلام، والجهاد حين يكون واجباً عينياً يجعل ترك النفير والجهاد أعظم وزراً وإثماً في هذا الباب.

وفي هذه الآية بيان صفة المكذبين لله ولرسوله، وأنهم هم أهل القعود عن الجهاد الواجب، وهذا يبين أمر الجهاد في دين الله ويكشف مقدار منزلته في بيان الإيمان في القلوب، فالذين يقعدون عن الجهاد الواجب هم مكذبون لله ولرسول الله، وهؤلاء لهم العذاب الأليم.

﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يعلمون﴾

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٤٤