تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجاهدون، والذين يتركون الجهاد بسبب اتباعهم للمشايخ الذين لا يجاهدون ويقولون لو كان الجهاد ديناً لجاهد هؤلاء، والذين يتركون الجهاد بسبب ترك الحكام للجهاد، فهم ينتظرونهم لاعلان الجهاد، كل هؤلاء مع أسيادهم سواء، وكلهم خارج الصورة المؤمنة ((الرسول والذين آمنوا معه))، ذلك لأن الجهاد حالة إيمانية ينفر إليها من أراد الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

﴿وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون﴾

قد تكون الواو هنا في قوله تعالى ((وأولئك لهم الخيرات)) تفسيرية، ولكن الظاهر أنها للعطف، فإن كانت كذلك فإن هذا يعني أن ما تقدم من وصف الرسول والمؤمنين بالجهاد بأموالهم وأنفسهم هو من قبيل الإكرام لهم، فإن الجهاد ليس تكليفاً بل كرامة وتشريفاً، وهو من قبيل النعم التي يكرم بها أحباب الله تعالى وأولياؤه وأصفياؤه، والجهاد في سبيل الله تعالى بالنفس والمال هو كذلك لأنّه هو العزة وهو الحياة وهو الكرامة، والمجاهد يحس بهذا كله، فإن من ذاق طعم الجهاد يعلم لذته، ويدرك ما معنى أن ينتصر من أعداء الله تعالى، وأن يرتفق السلاح، وأن يعيش عزيزاً لا يذل ولا يهان، وهذا ما لا يدركه القاعدون الجبناء، فإن أذواقهم مريضة، وأمزجتهم مختلة، فهي ترى الحلو مراً، وترى العزة كبداً، وترى ارتفاق السلاح تكليفاً وضيقاً، والجهاد عند أهله محبوب، فهو مع عبوديته لله تعالى، إلا أن فيه معاني الحرية والرفعة على الدنايا والصغائر، ولذلك هو نعمة تضاف إلى خيرات وعدها الله لهم في الدنيا والآخرة.

﴿أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾

هذا هو الحضور الأعظم في القرآن، وهو الحضور الأعظم في قلوب المؤمنين، وهو كذلك في قلوب المجاهدين، فإن ما يسوقهم لهذا البذل والعطاء، ويسوقهم للشهادة في سبيل الله تعالى إنما هي الجنات التي وعدها الله لهم كرامة وفضلاً، فهي شوقهم وحبهم ومقصدهم، وما يتحملونه في الدنيا من نصب وتعب، ومن جراح وآلام، ومن فقد المحبوبات والأخوان إنما هو لهذا الوعد الذي يرقبونه في كل لحظة من لحظات حياتهم.

هذا الامتلاء القلبي لحب الآخرة يصنع العجائب في المجاهدين، وهو مصدر استهزاء من المنافقين والكافرين كما قال تعالى ((الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب، يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق، ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي شقاق بعيد)).

((أولوا الطول)) لا ينفرون إلا بحساب التجار، فما يحصّل لهم مالاً وعزاً وسلطاناً فهو ما يستحق النفرة والتعب، أما قضية الآخرة فهي عمل الفقراء والمساكين، ولذلك هؤلاء يرقبون الشباب المجاهد ويرونهم يمضون للآخرة غير آبهين لما هم في من سفل فيفرك المنافقون من أولي الطول أيديهم فرحاً أن هؤلاء لا يحسبون الأمور على حساباتهم ((الذكية))، ولذلك من سمات هؤلاء في داخل ما يقال له ((الحركة الإسلامية)) أن أولي الطول لما وصلوا لمراكز القرار أرسلوا المساكين والفقراء للمهمات، وأما أبناؤهم فأعدوهم لدنيا، وقووا فيهم ((الطول)) ليرثوا مراكزهم ومناصبهم، والذين ينقضون هذه الحالة هم أهل الجهاد فقط، فإنهم هم من يؤمن بالآخرة، ويفرح إن سبقه أبناؤه إلى الدار التي يحبها ويؤمن بها، وهو دوماً يرسل إليها لأنه يعلم أنها مستقره الأخير كما قال أبو الدرداء لقوم ضافهم فرأوا زهده:- "إن لنا داراً ننتقل إليها قدمنا فرشنا ولحفنا إليها، وإن بين أيدينا عقبة كئوداً، المخف فيها خير من المثقل".

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٤٣