الأجيال، ويتدارسه الأتباع ليتخذوه منهاجاً ونوراً يستضيئون به ويهتدون بمنارته، ولذلك هؤلاء لهم البقاء، هذا البقاء الملتصق مع الرضى والحب، ومع الاقتداء والاهتداء كما قال تعالى ((فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض))،وكما قال سبحانه ((والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)).
لقد دخل هؤلاء التاريخ فصاروا أكبر من أزمنتهم، وأكبر من أحداثها، إذ دخلوا كل زمن فيه حدث إيماني، فهم مشاركون لكل جهاد آت إلى يوم القيامة، وهم يحضرون كل موقعة بين الإيمان والكفر، ولذلك هؤلاء ((لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون)).
أما غيرهم فقد أكل وشرب ونام وقعد وبخل وجبن، فلم يكن له إلا تلك اللحظات التي عادت عليه ألماً وعذاباً، وذهبت عنه فلم يبق منها إلا الحسرة على فواتها والخوف من آثارها كما قال تعالى ((ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير)).
إذا فقه المرء هذه الآية ((لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم)) علم من أين قال الحبيب المصطفى:- "ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" لأن صفة النبي صلى الله عليه وسلم وصفة أصحابه رضوان الله عليهم، وصفة المؤمنين أنهم يجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله تعالى، وخلو المرء من هذه الصفة يعني أنه صاحب شعبة من شعب النفاق، لأن الجهاد يعني الصدق مع الله، وترك الجهاد اخلال بهذا الصدق، ولأن الجهاد اثبات لشهادة الإيمان، وترك الجهاد قدح في هذه الشهادة، فأين هؤلاء الذين يجتهدون وسعهم أن لا يكون جهاد في زمن صار الجهاد واجباً، إذ به يدفع المسلمون عن أنفسهم وأعراضهم ودينهم، فليس جهادهم اليوم لاثبات الصدق مع الله، لكن الجهاد اليوم لإثبات انسانيتهم، وسلامة فطرتهم أنهم لا ينامون على ضيم، ولا يقبلون بإهانة أعراضهم ودينهم، ولا بسلب أرضهم وملكهم، فماذا يقال اليوم عن تاركي هذا الجهاد؟ بل ماذا يقال عن سابيه ومناوئيه؟
لقد طمست معالم الإيمان في قلوب هؤلاء، وطمست عقولهم، فصار أمرهم إلى ما قال السلف: "فقدوا هداية الإيمان وعقل الجاهلية"، فإن أهل الجاهلية كانت فيهم غيرة تأبى أن يكونوا كأهل هذا الزمان، وأهل الإيمان مع رسول الله أمضوا حياتهم جهاداً في سبيل الله، فصرنا اليوم إلى من يعد الجهاد تهوراً وسفاهة وقلة علم وضعف حكمة، وصار الجبن هو الحكمة، والبخل هو العقل، والتنعم في الشهوات مع ترك الجهاد أكل للحلال، فلا بخلق الجاهلية تخلقنا، ولا بأعمال الإيمان اهتدينا، ثم يرفع الناس السؤال:- لم تقدم الكفار وانحط المسلمون؟!
﴿جاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾
كانت الصورة السابقة للمنافقين أنهم ((أولوا الطول))،فهم أصحاب المال والشأن، وجاءت صورة المؤمنين وهم ينفقون أموالهم في سبيل الله تعالى، ذلك ليعلم أن الجهاد كان جهاد أهل عسرة وشدة، وأهل مسغبة، فهم ينفقون ما يجدون، وينفرون للجهاد مع القليل، فهذا وسعهم، وهذه طاقتهم، لكنهم مؤمنون، وهم رفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عاش كفافاً، وكان مع هذا الكفاف يجاهد، فلا عذر لأحد في ترك الجهاد حين الاستنفار لأن الله يقول ((انفروا خفافاً وثقالاً))، وهؤلاء ((أهل الكفاف)) لا يلقون التبعة على ((أولي الطول)) ولا يقولون: إن تقصير هؤلاء عن الجهاد يعطينا حجة بترك الجهاد، فهذه أعذار منافقين كاخوانهم، فالذين يتركون الجهاد بسبب فقرهم معتلين بأن اصحاب الجد لا