تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طعم الغواية وتزيين الباطل ليس هو طعم الهداية في القلوب، وهذا حكم آخر للتفريق بين من هو على نور من ربه، وبين من هو مبتدع أخذ سبل الباطل منهجاً له، وهذه تحتاج إلى شهادة مخلصة من الفريقين، ومن الصعب أن يشهد المبتدع على نفسه بالظلمة لأن غواية البدعة والمعصية فمختلطة بالهوى والشهوة والخوف على المكتسبات التي يسمونها مصالح الاسلام كذباً وزوراً.

مدح المسلمين اليوم للصحابة رضي الله عنهم، وادراكهم قوة تأثيرية في حركة التاريخ، لم يبصّرهم أن فقه الصحابة إنما كان نتيجة للجهاد في سبيل الله تعالى الذي كان حياتهم كلها، بل ظن البعض أن الفقه سبق الجهاد، أو أن الوعي على سنن الوجود كان تربية سابقة عن فعل الجهاد والحياة فيه، وهذا خطأ في تفسير فقه الصحابة وقوة أثرهم التاريخي في الفعل والعلم، بل إن الصحابة رضي الله عنهم بسبب الجهاد في سبيل الله، والذي هو استجابة منهم لأمر الله تعالى حصل لهم هذا التأثير الكوني، وحصل معه الوعي والعلم على سنن الحياة، وبه كذلك حصل لهم الشهود والخيرية على الخلق، فالذين يلقون الدروس الكثيرة على المسلمين، ويوجبون عليهم تعلم فقه الواقع وسنن الحياة دون أن يخوضوا هم مع أتباعهم وتلاميذهم الجهاد واقعاً ستبقى كلماتهم فاقدة للتأثير، بل ستنشأ لديهم الأوهام الكثيرة التي يسمونها علماً وليست كذلك، ولو دخلوا هم معترك الحياة الحقيقية للإيمان لحصل لهم العلم والوعي المنشودان كما قال تعالى ((استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم))، أما القعود فهذه الآية تبين نتيجته ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)).

﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعدّ الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾

صورة تقابل صورة، ووعد يقابل وعداً، فإن كان القعود عاد على الإيمان بالإبطال، فإن الجهاد عاد عليه بالقوة والتثبيت والامداد، فها هو الرسول القائد، ومعه المؤمنون الصادقون ينفرون للجهاد، بما معهم من وسع وطاقة، وبأنفسهم، فهذه هي صفتهم التي يتميزون بها أمام المنافقين.

إذا كان المؤمن يتميز بخصال كثيرة أمام الكفر والشرك، فهو يصلي للقبلة، ويحج البيت الحرام، ويأكل ذبيحة أخيه دون ذبيحة المشرك، إلا أن الصفة الأجلى والأوضح في التمييز بين المؤمن والمنافق هي الجهاد في سبيل الله تعالى بالمال والنفس، ذلك لأن المنافق يصلي كما يصلي المؤمن، ويحج كما يحج المؤمن، أما إن جاء إلى الاختيار في ثبات الإيمان وقوته فإنه لا يكون هذا الاختبار إلا بهذا الميزان الصريح الواضح، لأن الجهاد بالمال والنفس اختبار للإيمان في صد الجبن والبخل، فهو حارق لهما، مانع من وجودهما، وحين يجاهد المرء في سبيل الله بماله ونفسه يعني أنه يبذل لدين الله تعالى ما يطلبه منه، ويقدم أمر الله على شهوات نفسه، ويؤثر حب الله على حب ما يرغب ويريد، وبهذا يقدم دلائل صدق الإيمان، فيرتقي من كونه دعوى إلى حقيقة ثابتة، فإن حصلت الشهادة كان هذا هو أعظم اليقين في شهوده على نفسه أن دين الله أغلى من نفسه وماله.

لقد خاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم رحلة شاقة إلى تبوك، لكنها غابت آلامها، وتلاشى التعب، وانماثت الصعاب، ولم يبق إلا حقيقة واحدة هي قوله تعالى ((وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون))،وذلك لأن التعب يزول ويبقى أجره، والألم يذهب ويبقى أثره الإيماني في القلب، فاللحظة الماضية كما اللحظة الحاضرة ضعيفة قلقة، وكل هذه الدنيا إما لحظة ماضية أو لحظة حاضرة، والذي يبقى هو التاريخ الذي تتناقله

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٤١