﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾
الجهاد في سبيل الله تعالى حالة إيمانية، وموقف طاعة لله رب العالمين، والمعاصي انتكاس في الإرادة في مظهرها الأول ثم تعوج إلى حالة جهل وتخبط في إدراك المعاني، وكلما أوغل الانسان في المعصية كلما ازداد جهلاً في هذا الباب الذي عصى الله فيه، وكلما ازداد طاعة في هذا الباب ازداد حكمة ونوراً في هذا الباب، والجهاد في سبيل الله باب ادراك الحياة، فمن خلاله تفتح على المرء معارف النفوس البشرية، ومراتب الخلق، ويصير الناس إلى حقائقهم، ويهتدي المؤمنون والعاملون به إلى فقه الوجود وإدارته بغير ظنون ولا أوهام، وحين تتخلى الأمة عنه تنتكس في إيمانها، ويختفي عنها نور الهداية الربانية في بلوغ فقه الحياة، ومن عجائب هذا الجهل أن صاحبه كلما ازداد جهلاً كلما ازداد غواية كما قال تعالى ((وكذلك زينا لكل أمة عملهم)) وقال سبحانه ((فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم))،فهذا جهل لا يدرك المرء فيه أنه جاهل، فهو جهل مع غواية، وهذا ما عناه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله ((غثاء كغثاء السيل))،فالغثاء شيء تافه حقير خفيف، لكن له صفتان أخريان حين يضاف إلى السّيل وهما: أنه لا يتحرك بإرادته، بل تسيره تيارات الماء التي تسوق من تحته، والثانية: أنه يشعر بالفخر والخيلاء لأنه يطفو لطيشه على سطح الماء، وهذا صفة الأمة المسلمة اليوم فهي لا تملك القرار والتأثير بل تسيرها التيارات الكافرة والقوى الأخرى، لكن الكثير منهم خارج اطار الجهاد يشعرون بالوجود والتأثير، وأن لهم صفة المشاركة في قرارات الحياة السياسية والاقتصادية، والحقيقة أنهم غثاء، وما يشعرون به هو شعور الغثاء وهو طاف على السطح، يظن أنه يقود وواقع الأمر أنه يقاد.
هذا كله أثر من آثار معصية ترك الجهاد، لأن الجهاد هو الفعل الحقيقي الذي يحقق النصر بمفهومه القرآني، وهو المفهوم القدري الوحيد في الوجود، وأما ما يسميه البعض بانتصارات يحققونها خارج الجهاد فهي من باب غواية المعصية وتزيينها، وهذه أخطر آثار هذه المعصية، إذ يظن البعض أنه في نصر وهو في هزيمة، ويظن أنه يحقق مقاصد الإسلام وهو في الواقع يحقق مقاصد الجاهلية.
هذا الوهم يمكن أن يتهم به كل فريق الآخر، وهو واقع الاتهامات اليوم، إذ أن المجاهدين يتهمون السالكين للسبل الأخرى بتحقيق مقاصد الجاهلية وهم يظنون أنهم يخدمون الإسلام، وخصوم المجاهدين يتهمون المجاهدين بهذه التهمة كذلك، وهذه التهم لا يمكن الفصل في صوابها إلا من خلال عالِم الغيب والشهادة، ومن خلال شهادة التاريخ، والقرآن يشهد لصحة اتهامات المجاهدين لخصومهم، بأنهم هم أهل وهم وغواية، ويعملون ضمن خطة الكفر والطواغيت، وعدم شعورهم لذلك في أغلب الأحيان إنما هو بسبب ما طبع الله على قلوبهم من عدم الاستجابة لأمره بالجهاد لقوله ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)) وأما شهادة التاريخ فها هي سنون العالمين في الدروب والمسارب الأخرى غير الجهاد وتمشي وتمر وقد تحقق فيهم مقولة السلف في أسلافهم:- ((لا الإسلام نصروا ولا الشرك كسروا))،بل تعمقت الجاهلية وتجذرت، وازداد سلطان الطواغيت، واتسعت مساحة استباحة الحرمات، وقويت نفوس المشركين في إعادة كرامتهم ضد المسلمين، وفي الجانب الآخر فإن أعمالاً جهادية لفئة قليلة أعذرت لربها تحقيق الخير العظيم والأثر الكبير.