لقد استطاع "أولوا الطول" أن ينفذوا إلى قيادة ما يسمى بالحركة الإسلامية؛ وهو اسم غير صحيح لأسباب ليس هذا مكان بحثها، بسبب عامل وحيد وهو غياب الجهاد واقعاً، لأن هؤلاء لو رأوا أن الالتحاق بحركة الإسلام تعني تهديد مصالحهم وذهابها لتخلف الكثير منهم، وصمد وبقي الصالحون الذين عندهم الاستعداد على تقديم كل ما يملكون مقابل وعد الله بالدار الآخرة.
ثمّ بعد مسيرة زمنية يسيرة تحولت مكاسب هؤلاء داخل الحركة الإسلامية!! إلى اسم جديد، وهي مكاسب ومصالح الحركة، فصار أي تهديد لها هو تهديد للحركة، وهي بفعل دعايتها قد استطاعت سرقة اسم الاسلام، فآل الأمر إلى أن مصالحهم هي عينها مصالح الإسلام نفسه.
هذا لا يعني أبداً أن القواعد بريئة من هذه الاختراقات للمفاهيم، بل هم لجهلهم وتسليكهم (والتسليك لفظ صوفي في أصله، لكنه صار سمة لصياغة الأتباع ضمن لعبة المتنفذ، والذي هو الشيخ في المذهب الصوفي) صار هؤلاء الأتباع ضمن اللعبة، لأن الحركة كلها قد صيغت على شكل شركة للمتنفذ، فالتحق الأتباع فيها ابتداءً إيماناً بالدعوة، ثم بالتسليك صاروا بعد مدة أعضاء موظفين يكتسبون من هذا الوضع، فغابت الدعوة والداعي ليتحول هؤلاء إلى موظفين، وقد يعلمون الأخطاء أكثر من غيرهم لكن المسألة صارت شركة تجارية أو مؤسسة اقتصادية يعيش التابع منها، ويقتات من ورائها، فدخل التابع عضواً فاعلاً ضمن مصلحة أولي الطول كذلك.
كل هذه الأجواء تجعل الجهل إفساداً في الأرض عند هؤلاء، وهم خلال استغراقهم في هذه الاجواء يدركون أن الجهاد ضرب لمصالح المسلمين، لأنهم هم مسلمون، بل هم خلاصة الأمة، وقادتهم هم قادة المسلمين، وحركتهم هي حركة الاسلام الوارثة في الأرض، وعلماؤهم في مناصب مؤثرة في الفتوى والفكر، والجهاد يضر ذلك كله، وهم صادقون في هذا، لكن نسوا أنهم صاروا منتظمين في سلك أولي الطول، وهو وصف معيب في القرآن، يمكن لهم لو أرادوا الهداية أن يعرفوا ذلك من خلال بغضهم للجهاد والمجاهدين، لكن الهوى يا صاحبي غلاّب.
هذا الوصف هو حال كل التجمعات الاسلامية التي تعيش وتقتات داخل لعبة الجاهلية، وهو حال الأفراد الذين يستفيدون من قبول الجاهلية لهم بسبب انشغالهم بأمور حياتهم الخاصة، وهو حال من زعم العلم أو دخل القضاء والفتوى والخطابة بأذن الجاهلية ثمّ يرى أن الجهاد يفسد عليه وجوده ومكاسبه، والتي يلبسها ثوب مصلحة الاسلام، وهذا الالباس سهل جداً ليس فيه كبير عناء، ومادته منشورة مبذولة للأغبياء من قبل الجاهلية نفسها، فإغلاق مسجد عن هؤلاء مفسدة عظيمة لا ينبغي أن تقع حتى لو كان مقابلها أن يقوم الجهاد في الأرض كلها، وإما إن منع هذا الخطيب من الخطابة فحينئذ لن يتردد بأن يصرخ بأعلى صوته:- إن المجاهدين هم المفسدون، أما إن كان في دول الغرب الكافر فمنع من أخذ الجنسية للتشديد عليه وعلى المسلمين فهي الطامة التي يجب على الفقيه أن يراعيها في كل فتوى يقولها عن الجهاد والمجاهدين، أما إن منع أحدهم من دخول بلد، وحبست عنه تأشيرة الدخول فهذه والله تعدل سقوط فلسطين عند بعضهم.
إنهم "أولوا الطول"،والجهاد في أصله قضم لهذا الطول، وضرب لسلطانه، وقمع لاستقراره، لأنه إعادة صياغة الحياة على أسس جديدة عمادها ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم))،وأسسها ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوماً ويضع به آخرين))،وإن أردت إدراك الفرق بين بناء الاسلام للصحابة رضي الله عنهم وبين بناء المسلمين اليوم فانظر من رُفِع في بناء الصحابة، ومن أُكرم في مجتمعاتهم، ثم قلّب النظر في أبنيتهم اليوم لترى من هم الأكرم والأرفع، حينها تعلم قيمة الجهاد في سبيل الله في تحقيق وعود القرآن والسنة النبوية.