تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الداخلية، لأن الأمر مشترك بينهم في تقاسم المصالح، فأي اخلال لقوة الكافر هو اخلال لوجودهم، ومن مصائب الفهم عند من يزعم العمل الإسلامي أن يتوقف عن استهداف هؤلاء ((فرعون وقارون والسحرة)) بحجة أن استهدافهم يقوي الكفر الخارجي، ولذلك (كما يقولون) يجب إيقاف المدافعة بين الإسلام وبينهم حتى تفرغ الأمة للعدو الخارجي، وأنت قد تجد في الأرض جاهلاً أو غبياً، لكن أن يكون في صفوف الأمة المسلمة هذه الدرجة من الجهل والغباء والعمى فهذا شيء لا يتصور وجوده إلا في الأحلام.

هؤلاء ما صاروا أولوا الطول إلا بمدد الكفر الخارجي، ولم تستقر لهم الأوضاع إلا ضمن ظروف الجاهلية، فسلطانهم السياسي، ومقدراتهم المالية والإقتصادية هي من خلال نفخ الروح الذي تلقيه الجاهلية الكبرى التي تحمي هذه المظلة وترعى هذه الإدراة.

لقد علق القرآن وصف النفاق واضحاً وصريحاً على هذا الوصف من أصحاب المقدرات المالية والسياسية والاجتماعية، وهم الملأ، وأهل الترف، فالصراع بين آيات الله تعالى التي تأمر بالإيمان والجهاد وبين هؤلاء هو صراع حقيقي، وقدر لازم لا مفر منه، وكما كان الحال زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحال كذلك في زماننا، وأخطر ما في هذه الصورة أن يلتحق هؤلاء بركب الإيمان ليصلوا إلى قيادته والتأثير على مجرياته، فيصبح فهم المفتون والخطباء والقضاة والمفكرون وقادة الحركات الإسلامية، فيبدأ هؤلاء برسم مسيرة الإسلام وحركته ضمن مصالحهم وقواعد الحفاظ على مكتسباتهم، وهذا ما هو واقع اليوم، فإن الترف والمال والغنى والطول صار سمة مميزة لهذا الصنف، وبعضهم أصلاً هم من تركيبة الجاهلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولذلك هم يكرهون الجهاد وأهله، ويقيسون مفاسده من خلال ما يلحق بمصالحهم من ضرر، ويعممون هذه الأضرار على حياة المسلمين، بل إن بعضهم ليضع مصالح المسلمين في بلد آخر مقابل مصالحه في بلده، ولذلك نشأ الإسلام المتعدد، وأتقنت النظم الجاهلية استغلال هؤلاء داخلها ضد الآخرين، فأي خصومة تنشأ بين طاغوتين متجاورين أو متباعدين إلا وتجد اصطفاف هؤلاء إلى داخل الطاغوت الذي يحفظ لهم مصالحهم، فتحول الإسلام إلى لعبة طاغوتية، ولم يعد له تميز حقيقي يدعو إليه ويفيء أهل الإسلام إلى رايته، إلا ما كان من المجاهدين فقط، أما الأحزاب الإسلامية وأصحاب الوظائف الدينية في داخل هذه النظم فهم جزء من لعبة الشيطان، فيسيرون ويتحركون خلال مساربها ودروبها، وسبب ذلك أن هؤلاء (أي أولي الطول) اخترقوا الصف المسلم، وصاروا قادته والمؤثرين داخله، والذي سهل هذا الاختراق هو غياب مفهوم الإسلام الذي نشأ عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم دخلوا إليه من بوابة الابتلاء، وهي بوابة اقرار الإيمان باليوم الآخر والزهد في الدنيا، فلما وصل الإسلام إلى ما وصل إليه كان أئمته وقادته هم أهل الآخرة، ورجال الدين والعبودية حقاً، وأما هذه الحركات فإنها الحركات فإنها منذ البداية عرضت الدنيا ونعيمها مقابل الإسلام، فالحتق به من آمن بالإسلام حقاً لكن دون الشطر الآخر الذي يتحقق به المفهوم العملي له، وهو ما قاله الله تعالى في هذه الآية:- ((وإذا ما أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله))،فلم يحصل الإبتلاء، وسار هؤلاء بفعل ما يملكون من قوى خاصة، مالية واجتماعية وسياسية، بطريقة سننية إلى مراكز القرار، ولو كان الطريق هو طريق القرآن لأتى إليه الكثير ثم حصل الهروب من خلال الجهاد كما قال تعالى ((استأذنك أولي الطول منهم))، فانتقى الصف، وحصلت التصفية حتى لا يصل إلى المستقر إلا أهل الدين حقاً.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٣٨