تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسيتمالأ عليهم الكفر الخارجي والداخلي، والغرب الكافر قد يحتمل أي حرب توجه إلا أن تكون متوجهة إلى مصالحه الإقتصادية فحينها الحرب الشاملة والقاسية، ولكن شرط الحرب التي تحقق الإنتصار الحقيقي لأهل الإسلام هي أن تكون خارج حسابات الخصم، وخارج أنواع حروبه، لأن الإسلام هو انقلاب على كل قواعده، وتدمير لكل سلطانه، أما الحرب التي تكون ضمن خطوطه فهي تكريس للعبته وقواعده وسلطانه، وحين تكون الحرب كذلك فإنها ولاشك ستكون قاسية وسيدفع أصحابها تكاليف مضاعفة، لكنها تؤدي إلى نتائج حقيقية في صياغة الأمم والشعوب وقواعد الحياة في الأرض كلها.

لقد اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قاطع طريق لما حارب قريش في تجارتها، وقد قامت تجمعات اسلامية بهذه النوع من الحروب ضد مصالح الكفر فاتهمت بالقرصنة كما فعل القواسمه باتخاذهم مع الوهابين ضد السفن المحملة بالأموال المسروقة من الهند إلى أوروبا، واستخدم الغرب الكافر نفس السياسة من الحروب النفسية والإعلامية، وما زال الزمن يكرر نفس الوسائل، وحين يكرر الخصم نفس وسائله وينجح دل هذا على غباء المقابل، وهذا ضد الإيمان، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يلدغ المؤمن من حجر واحد مرتين" ولكن هذا المسلم ما زال يلدغ من نفس الحجر عشرات المرات، فهو يستجيب للعبة الخصم، ويدخل في سبيله حين يترك الجهاد المشروع ويمارس أحكام الشرع فيه من أخذ ماله غنيمة أو فيئاً، وحين ترد أموال الأمة إلى أهلها من سارقيها المترفين، وحين يمنع السفهاء من إفساد أموالهم وتضييعها واذهابها على الدعارة والقمار ووضعها في مصالح الكفر لتقويته فإنه لن يحقق الأمل المنشود من جهاده.

خصم المسلمين وعدوهم يتقن هذه اللعبة، فهو يضفي على كل ممارساته لباس الشرعية، فهو يسرق بالقانون الذي يفرضه، ويقتل ويحتل ويفسد ويقضي تحت هذا الغطاء، ويجبر العالم كله على الدخول فيه والإقرار به، ويسمّي كل خارج عنه بالأسماء التي يطلقها ويفرضها في قانونه، فهو إن سرق لا يقبل أن يسمى لصاً، لكن حين يحاول خصمه أن يأخذو حقه فهو لص وقاطع طريق وقرصان.

المسلم له قانونه، ولا يمكن أن تتحقق له العزة في الأرض إلا بأن يسلك هذه الشريعة التي أنزلها الله رحمة للمؤمنين، وهنا تتقاطع الخطوط، وتبدأ الحرب الحقيقية، فالمسلم يستحل ما أحل الله له، وما أحل وما حرم في دينه معلق بعلة الإيمان والكفر، والصلاح والفساد، والطاعة والمعصية، والكافر له شرعيته فالمشروع عنده ما حق له الغلبة والسلطان، وما جلب له المال والثراء، وعلى هذه القواعد تنشأ الحروب بين الفريقين، فحين يخجل المرء المؤمن، والجماعة المؤمنة من تعليق ما تحله وتحرمه على ما تقدم فإنها تكون قد هزمت منذ البداية، وكل خطوة تمشيها بعد ذلك تكون تكريساً للباطل، حتى لو ظنت أنها تقترب من أهدافها، لأن تحصيل هذه الأهداف ضمن خطة الخصم ليس انتصاراً أبداً، بل هو تعميق المفاهيم الكفر في الحياة وهذا هو عين الهزيمة لقوله تعالى ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)).

لقد أحكم الكفر قبضته على المسلمين، واستطاع أن يدخل مفاهيمه في داخل الصف المسلم، فلم يعد غريباً أن تسمع من فقهاء وقضاة ومفتين وقادة حركات اسلامية كلمات الكفر مثل الإحتكام إلى الشرعية الدولية، واحترام القانون الدولي، بل إن بعضهم ليدعو إلى ما يقال له المحاكم الدولية في بعض الخصومات، وهذا كفر صريح لا يختلف فيه عالمان في دين الله تعالى، لكن لما صار هؤلاء ضمن خطة الخصم، وغابت شريعة الإسلام، وعاش الناس طويلاً تحت هذه المفاهيم، واستمر قصف العقول بها اعلاماً وواقعاً وحروباً وتدريساً صار النطق بها يعد تحضراً وتقدماً وثقافة، وحين يأتي

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٣٦